لم تكن قفزة المملكة العربية السعودية من المرتبة الـ17 إلى الـ13 عالمياً في تقرير الكتاب السنوي للتنافسية العالمية لعام 2026—الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD)—مجرد تحسن دوري في المؤشرات، بل كانت ملحمة تحول مؤسسي وإداري متكاملة.
عكست هذه القفزة، التي وضعت المملكة أيضاً في المرتبة الثالثة بين اقتصادات مجموعة العشرين، قدرة استثنائية على مراجعة الذات وإعادة ضبط التشريعات الاقتصادية بكفاءة قياسية خلال فترة زمنية وجيزة لم تتجاوز الاثني عشر شهراً.
تفكيك البيروقراطية: تحديث 110 تشريعات كرافعة للنمو
خلف هذا الصعود السريع قصة عمل دؤوب قادته منظومة التجارة والاستثمار بالتعاون مع المركز الوطني للتنافسية، حيث وُضعت أكثر من 110 تشريعات ونظم تجارية تحت مجهر التطوير الشامل.
تضمنت هذه الخطوة الجريئة إعادة هيكلة جذرية لأنظمة عريقة؛ كان أبرزها تفعيل نظام الشركات الجديد وإلغاء القيود التقليدية في نظام السجل التجاري، فضلاً عن تعزيز أنظمة الإفلاس والامتياز التجاري.
لقد تحولت البيئة التنظيمية من نسق يفرض القيود إلى منظومة تشريعية استباقية تحمي المستثمر، وتمنح المنشآت الصغيرة مرونة التأسيس السريع، وتضمن الشفافية وتكافؤ الفرص في بيئة تنافسية مفتوحة.
السياق التاريخي: من التعقيد الإجرائي إلى الرقمنة الشاملة
قبل انطلاق رؤية 2030، كانت رحلة تأسيس الأعمال في المنطقة تواجه دورات مستندية مطولة وتعدداً في جهات الترخيص. إلا أن التجربة السعودية ضربت مثلاً في إدارة التغيير الحكومي؛ إذ نجحت في تقليص مئات الإجراءات المعقدة وتحويلها إلى تجارب رقمية متكاملة عبر منصات وطنية موحدة. وبدلاً من الاكتفاء بالمعالجات المؤقتة، تبنت المملكة استراتيجية تفكيك الثغرات التشريعية، فصارت التشريعات اليوم محركاً رئيسياً للابتكار وليست عائقاً أمامه، مما مهد الطريق لنيل المركز الثالث عالمياً في مؤشر دعم التشريعات لتأسيس الشركات.
التحليل الاقتصادي ودلالات الإنجاز لـ “رؤية السعودية 2030”
تُمثّل هذه القفزة تجسيداً حياً لمستهدفات “رؤية السعودية 2030” الرامية إلى حجز مقعد دائم بين أفضل 10 اقتصادات عالمية في التنافسية بحلول نهاية العقد.
ويكشف هذا التطور عن نضج “برنامج تطوير القطاع المالي” و”الاستراتيجية الوطنية للاستثمار”، حيث أضحت المملكة وجهة إقليمية آمنة وجاذبة لرؤوس الأموال الأجنبية والمقرات الإقليمية العالمية.
كما تدعم هذه البيئة التشريعية المستقرة توسع الأنشطة الاقتصادية غير النفطية لتشكل النسبة الأكبر من مساهمات الناتج المحلي، معززةً مناعة الاقتصاد في مواجهة تقلبات الأسواق العالمية.

