حين تُسجل شركة تأمين كبرى واحدة مثل «التعاونية للتأمين» إجمالي أقساط مكتتبة (GWP) تكسر حاجز 20 مليار ريال بنمو سنوي 16.2%، مع تحقيق أرباح فصلية بـ 301.7 مليون ريال في الربع الثالث من 2026 بارتفاع 74.1%، بينما تُكافح غالبية الشركات الصغيرة والمتوسطة في القطاع لتجاوز بضع مئات الملايين وتُسجل تراجعات حادة في نتائج خدماتها الفنية، فإن هذا المشهد لا يُعبّر عن تفاوت دوري في المبيعات، بل يكشف عن «إعادة هيكلة قسرية وعميقة لمراكز القوى» في سوق التأمين السعودي.
تدخل صناعة التأمين بالمملكة في عام 2026 مرحلة الفرز النهائي تحت مظلة «هيئة التأمين». هذا الفرز لم يأتِ بقرارات إدارية مباشرة، بل عبر محركين رئيسيين: متطلبات الملاءة المالية الصارمة (Risk-Based Solvency Margins)، والشفافية المحاسبية الصادمة التي فرضها تطبيق المعيار الدولي للتقارير المالية (IFRS 17).
هذان العاملان رسّخا حالة من «التركز السوقي المؤسسي» (Oligopolistic Market Concentration)؛ حيث تستحوذ أكبر شركتين إلى ثلاث شركات على ما يقارب 70% إلى 75% من إجمالي أقساط التأمين في المملكة، تاركةً أكثر من 20 شركة مدرجة تتنافس بشراسة على النسبة المتبقية في بيئة أعمال لم تعد ترحم تسعير الوثائق العشوائي.
1. ميكانيكا التركز: كيف فرض معيار IFRS 17 فرزاً طبقياً بين الشركات؟
قبل تطبيق معيار IFRS 17، كانت الشركات الصغيرة قادرة على إخفاء هشاشتها الاكتتابية عبر ترحيل المطالبات وتأجيل الاعتراف بالمخصصات الفنية؛ فكانت تعلن أرباحاً دفترية خادعة مبنية على حجم الأقساط النقدية الداخلة فوراً (GWP). مع المعيار الجديد، تغيرت المعادلة تماماً:
- عزل هامش الخدمة التعاقدية (CSM – Contractual Service Margin): يفرض المعيار قياس الأرباح غير المكتسبة وحجزها في بند (CSM) وإطلاقها تدريجياً على مدى عمر الوثيقة مع تقديم الخدمة الفعلية. الشركات الكبرى ذات المحافظ الضخمة والمتنوعة تمتلك رصيداً ضخماً من هذا الهامش يتدفق كإيرادات دورية مستقرة؛ في حين أن الشركات الصغيرة ذات العقود المتذبذبة تجد بند الـ CSM لديها ضامراً، وتنكشف خسائرها الفنية في اللحظة التي تتأخر فيها مبيعات ربع سنة واحد.
- إلغاء تغطية العيوب باعتراف فوري بالخسائر (Onerous Contracts): إذا قامت شركة صغيرة بحرق سعر وثيقة مركبات أو تأمين صحي للحصول على حصة سوقية، يلزمها معيار IFRS 17 بالاعتراف الفوري بـ «خسارة العقد المرهق» في قائمة الدخل يوم إصدار الوثيقة، دون انتظار وقوع الحادث. هذا التدقيق عاقب فورياً الشركات التي تعتمد على المنافسة السعرية غير المدروسة.
2. كماشة الملاءة الرقابية: رفع تكلفة البقاء في السوق
لم يعد كافياً أن تمتلك الشركة الحد الأدنى لرأس المال؛ فقد فرضت «هيئة التأمين» نسب ملاءة مبنية على المخاطر الشاملة (Risk-Based Capital):
- مخاطر الاحتفاظ بالتأمين (Retention Risk): الشركات الكبرى قادرة على التفاوض مع كبريات شركات إعادة التأمين العالمية (Munich Re, Swiss Re) بشروط تفضيلية وعمولات إعادة مجزية تحميها من صدمات التعويضات الكبرى (كما أظهرت نتائج التعاونية بقفزة 21% في نتائج خدمات التأمين بعد الإعادة). أما الشركات الصغيرة، فتضطر لقبول شروط إعادة تأمين مجحفة أو احتفاظ بنسب مخاطر تفوق طاقتها، مما يهدد هوامش ملاءتها عند حدوث مطالبات جسيمة.
- تكلفة الأنظمة الاكتوارية والامتثال: يتطلب الالتزام بمعيار IFRS 17 استثمار عشرات الملايين من الريالات في برمجيات المحاسبة الاكتوارية السحابية، وخبراء التسعير، والربط اللحظي مع منصات المرور و«نجم» و«مجلس الضمان الصحي». بالنسبة لشركة تجني 20 مليار ريال كـ «التعاونية»، تمثل هذه التكاليف كسراً مئوياً ضئيلاً من إيراداتها؛ أما لشركة حجم أعمالها 200 مليون ريال، فإن فاتورة الامتثال والأنظمة الرقمية تلتهم وحدها قاع الأرباح السنوية بالكامل.
3. مصفوفة التحليل المقارن: تشريح الفجوة الهيكلية بين عمالقة التأمين والشركات المتوسطة والصغيرة (تاسي 2026)
| المحور المالي والتشغيلي | الشركات القيادية الكبرى (Top Tier – مثل التعاونية) | الشركات الصغيرة والمتوسطة (Mid & Small Tier) | الأثر الحاسم على اتجاه السوق |
| الحصة من الأقساط (Market Share) | تستحوذ على أكثر من 70% من السوق | تتنازع على أقل من 30% موزعة على 20+ شركة | تكريس الاحتكار القائم على القوة الوفيرة لرأس المال |
| هيكل المحفظة (Portfolio Mix) | تنوع استراتيجي (صحي 60%، مركبات 25%، طاقة وبنية تحتية 15%) | تركز شديد في تأمين المركبات الإلزامي (60% – 80%) | انكشاف الشركات الصغيرة لحروب الأسعار ومطالبات الورش |
| القوة التفاوضية لإعادة التأمين | تصنيف ائتماني ممتاز (A-Rating) يمنحها شروط إعادة رخيصة | تصنيفات منخفضة تلزمها بدفع علاوات مخاطر عالية | امتصاص الصدمات في الكبرى ونزيف فني في الصغيرة |
| أموال الطفو وعوائد الاستثمار | محافظ استثمارية بمليارات الريالات تدر أرباحاً تغطي أي خسارة | محافظ استثمارية محدودة تعجز عن تعويض الخسائر الفنية | تباين القدرة على استدامة التوزيعات النقدية للمساهمين |
| القدرة على المنافسة في العقود الكبرى | مؤهلة حصرياً للمشاريع الكبرى (نيوم، البحر الأحمر، الطيران) | مستبعدة تلقائياً بسبب اشتراطات الملاءة والحدود الائتمانية | حرمان الكيانات الصغيرة من قنوات الإيراد الأكثر ربحية |

