أعلنت هيئة التأمين السعودية عن خطة استراتيجية شاملة تستهدف رفع إجمالي رؤوس أموال شركات قطاع التأمين في المملكة ليصل إلى نحو 13.3 مليار دولار (ما يعادل قرابة 50 مليار ريال سعودي)، في خطوة تستهدف تعزيز الملاءة المالية للشركات، وتحفيز عمليات الاندماج والاستحواذ، وبناء كيانات تأمينية كبرى قادرة على تغطية المخاطر المعقدة والمشاريع المليارية الجارية في مختلف مناطق المملكة.
السياق التاريخي: مسيرة استقلال القطاع وإعادة هيكلة السوق
تاريخياً، كان قطاع التأمين السعودي خاضعاً لإشراف البنك المركزي السعودي (ساما) تحت مظلة الرقابة المصرفية، حيث اتسمت السوق لسنوات بوجود عدد كبير من الشركات الصغيرة والمتوسطة التي عانت من تآكل رؤوس أموالها وهوامش ملاءتها المالية نتيجة حرب الأسعار والمنافسة الحادة، خاصة في قطاعي تأمين المركبات والتأمين الصحي الإلزامي.
وشكّل تأسيس “هيئة التأمين” كجهة تنظيمية ورقابية مستقلة وموحدة نقطة تحول مفصلية في تاريخ الصناعة؛ إذ وضعت الهيئة خارطة طريق تنظيمية صارمة ترتكز على رفع الحدود الدنيا لرؤوس الأموال، وتطبيق معايير المعيار الدولي لإعداد التقارير المالية (IFRS 17)، لتشجيع الاندماجات وتصفية الشركات الضعيفة وبناء سوق مالي رصين يتوافق مع المعايير الدولية.
التحليل الاقتصادي وأثره على مستهدفات “رؤية السعودية 2030”
يمثل رفع رؤوس أموال شركات التأمين إلى 13.3 مليار دولار ركيزة استراتيجية مباشرة لتحقيق مستهدفات “رؤية السعودية 2030” وبرنامج تطوير القطاع المالي عبر مسارين رئيسيين:
- الاحتفاظ بالأقساط محلياً وتغطية المشاريع الكبرى (Giga-projects): تتطلب المشاريع التنموية العملاقة مثل نيوم، والقدية، والبحر الأحمر، ومشاريع الطاقة المتجددة والتعدين، تغطيات تأمينية ضخمة تفوق قدرة الشركات المحلية برؤوس أموالها السابقة، ما كان يضطرها لإعادة التأمين بنسب كبرى لدى شركات أجنبية في الخارج. رفع القاعدة الرأسمالية يمكن القطاع الوطني من الاحتفاظ بنسبة أعلى من أقساط التأمين محلياً، مما يمنع تسرب السيولة النقدية للخارج ويغذي الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي.
- رفع نسبة مساهمة التأمين في الاقتصاد الوطني: تستهدف الرؤية رفع عمق قطاع التأمين ليتجاوز مساهمته الحالية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، ليقترب من المعدلات العالمية البالغة 7% إلى 8%. زيادة الملاءة المالية تتيح للشركات ابتكار منتجات تأمينية جديدة ومتخصصة، مثل تأمين المسؤوليات المهنية، والتأمين السيبراني، والتأمين المناخي والزراعي، مما يوفر شبكة أمان للاستثمارات الأجنبية المباشرة وقطاع الأعمال.

