يمثل نجاح مجموعة “سيتي غروب” (Citigroup) في تعبئة تسهيلات وتمويلات تتجاوز 40 مليار دولار لدعم عملائها في المملكة العربية السعودية خلال عام 2026 قصة نجاح مؤسسية استثنائية؛ إذ تعكس كيف يمكن لمصرف عالمي عملاق أن يعيد صياغة حضوره التشغيلي بالكامل ليتوافق مع أسرع أسواق المال نمواً في المنطقة، متحولاً من مجرد ممثل ائتماني خارجي إلى ركيزة مصرفية استثمارية متجذرة في قلب العاصمة الرياض.
السياق التاريخي: شجاعة العودة واستشراف آفاق التحول الوطني
تعود جذور “سيتي غروب” في المملكة إلى منتصف القرن الماضي، إلا أن مسيرتها الحديثة بدأت فعلياً بقرار تاريخي اتخذته الإدارة العليا بالعودة المنظمة إلى السوق السعودي، بعد سنوات من التخارج وإدارة العمليات عن بُعد.
راهنت قيادة البنك على أن التحولات الاقتصادية الهيكلية التي تضمنتها “رؤية السعودية 2030” ستخلق طلباً غير مسبوق على الخدمات المصرفية الاستثمارية المتقدمة.
واجه الفريق المؤسس تحدي بناء البنية التحتية المصرفية من الصفر، فبدأ بالحصول على تراخيص أسواق المال، ثم تأسيس المقر الإقليمي والخدمي في مركز الملك عبدالله المالي (KAFD)، والاعتماد على استراتيجية مرنة تجمع بين المعايير الرقابية الدولية الصارمة واللوائح المالية المحلية المتطورة.
التحليل الاقتصادي: كفاءة الكوادر الوطنية والتكامل مع “رؤية 2030”
يقف خلف إدارة هذا الحجم التمويلي الضخم (40 مليار دولار) نموذج تشغيلي مبتكر يترجم أهداف برنامج تطوير القطاع المالي و”رؤية 2030″ عبر ركيزتين:
- الاستثمار في الكفاءات المصرفية المحلية: ركزت استراتيجية “سيتي” على استقطاب وتدريب النخب المصرفية الشابة من السعوديين والسعوديات، ودمجهم في منصات التحليل المالي وأسواق الدين العالمية. مكّن هذا المزيج من فهم أدق لتفاصيل قطاع الأعمال المحلي وبناء جسور ثقة متينة مع الكيانات السيادية وكبرى الشركات العائلية والخاصة.
- هندسة الصفقات والتمويل الهيكلي المعقد: أدار الفريق بنجاح عمليات إصدار سندات وصكوك دولية وقروض مشتركة متعددة العملات لتمويل مشاريع البنية التحتية، والطاقة المتجددة، والتحول الرقمي؛ ما خفض تكلفة الاقتراض وعزز الربط بين السيولة العالمية والفرص الاستثمارية غير النفطية داخل المملكة.

