في تطور لافت للأحداث، تظهر البيانات الصادرة عن شركة تتبع ناقلات النفط “كبلر” أن إيران تواصل تصدير نفطها عبر مضيق هرمز بمعدلات تفوق ما كانت عليه قبل اندلاع التوترات الأخيرة. وتشير الأرقام إلى تحميل سبع ناقلات نفط من السواحل الإيرانية منذ نهاية فبراير الماضي، بمتوسط يومي بلغ نحو 2.1 مليون برميل، متجاوزاً متوسط صادرات فبراير الذي سجل نحو مليوني برميل يومياً.
وتُعد هذه المؤشرات دليلاً على قدرة طهران على التحكم النسبي في هذا الممر البحري الاستراتيجي، في وقت خفضت فيه دول الخليج العربية إنتاجها النفطي وبدأت البحث عن مسارات بديلة لتصدير الخام. ويُشكل هذا التدفق النفطي شرياناً مالياً حيوياً لإيران، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية.
أسطول الظل الإيراني: كيف تعبر الناقلات المضيق بعيداً عن الرقابة؟
تعتمد طهران بشكل متزايد على ما يُعرف بـ”أسطول الظل”، وهو مجموعة من الناقلات القديمة التي تُستخدم لنقل النفط بعيداً عن أنظمة التتبع العالمية والعقوبات الغربية. وتكشف بيانات “كبلر” أن معظم النفط الإيراني العابر للمضيق يتجه إلى الصين، عبر ناقلات ترفع أعلاماً مزيفة أو تتبع كيانات واجهة خاضعة للعقوبات.
| ناقلة النفط | العلم المرفوع | الحمولة التقريبية | الوجهة | ملاحظات |
|---|---|---|---|---|
| سكاي ويف | جزر القمر (مزيف) | غير محدد | الصين | مملوكة لكيان هندي خاضع للعقوبات |
| كوم | غويانا (مزيف) | 2 مليون برميل | الصين | غادرت في 19 فبراير وعبرت المضيق مؤخراً |
| بينغ شون | غير محدد | 600 ألف برميل | خليج عمان | انطلقت من جزيرة خرج الإيرانية |
ويشير كريستوفر لونغ، رئيس الاستخبارات في شركة “نيبتون بي تو بي غروب” للأمن البحري، إلى أن “معظم السفن التي تعبر المضيق حالياً مرتبطة بإيران أو الصين”، محذراً شركات الشحن الدولية من المخاطر المرتبطة بالعبور في الوقت الراهن.
تراجع إنتاج الخليج العربي: بحث استراتيجي عن بدائل تصدير آمنة
بينما تواصل إيران نشاطها النفطي، اتخذت دول الخليج العربي، من السعودية إلى العراق، إجراءات احترازية شملت خفض الإنتاج النفطي واستكشاف مسارات تصدير بديلة بعيداً عن مضيق هرمز. وتأتي هذه الخطوة في إطار استراتيجية أمنية واقتصادية تهدف إلى:
- تقليل الاعتماد على ممر بحري واحد في ظل التصعيد الجيوسياسي.
- حماية البنية التحتية النفطية من أي تهديدات محتملة.
- ضمان استمرارية الإيرادات المالية للدول المعتمدة على عائدات النفط.
وتُعَد هذه التحولات جزءاً من جهود أوسع لتنويع منافذ التصدير، بما في ذلك خطوط الأنابيب البرية والموانئ البديلة على البحر الأحمر، مما يعزز من مرونة القطاع النفطي الخليجي في مواجهة الأزمات.
تقلبات أسعار النفط: بين مخاوف الإمداد وتفاؤل الأسواق
شهدت أسواق النفط العالمية تقلبات حادة خلال الأيام الماضية، حيث اقترب سعر البرميل من 120 دولاراً قبل أن يتراجع إلى ما دون 80 دولاراً بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول احتمالية انتهاء الصراع “قريباً جداً”.
وتُظهر تقديرات بنك “جيه بي مورغان” أن استمرار إغلاق مضيق هرمز لمدة أسبوعين قد يؤدي إلى فقدان السوق العالمية نحو 3.8 مليون برميل يومياً من الإمدادات الخليجية، أي ما يعادل أكثر من 3% من الإنتاج العالمي. ويُبرز هذا السيناريو الحساسية الشديدة لأسواق الطاقة لأي اضطراب في حركة الملاحة عبر المضيق الذي يعبره نحو ثلث إنتاج النفط العالمي.
ثلاثة سيناريوهات محتملة لعودة الملاحة الطبيعية عبر هرمز
بحسب همايون فالكشاهي، رئيس تحليل النفط الخام في شركة “كبلر”، فإن عودة حركة الشحن الآمنة عبر مضيق هرمز تتطلب تحقق أحد السيناريوهات الثلاثة التالية:
| السيناريو | الوصف | التحديات |
|---|---|---|
| المرافقة العسكرية الدولية | قيام تحالف دولي أو البحرية الأميركية بمرافقة الناقلات التجارية | مخاطر التصعيد العسكري، وتحذيرات الحرس الثوري من استهداف أي مرافقة |
| وقف إطلاق النار | التوصل إلى اتفاق سياسي بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران | تعقيدات المفاوضات، وعدم اليقين حول التزام الأطراف |
| التراجع الإيراني | قرار طهران بوقف التهديدات الملاحية مقابل مكاسب سياسية أو اقتصادية | صعوبة التنبؤ بالقرارات الإيرانية في ظل ديناميكيات الصراع |
ويُشار إلى أن الرئيس ترامب كان قد أعلن عن خطط لمرافقة السفن العابرة للمضيق، لكن هذه الحماية لم تُنفذ فعلياً حتى الآن، بينما حذر القائد البحري للحرس الثوري، علي رضا تنغسيري، من أن أي مرافقة غربية ستواجه بهجمات صاروخية وجوية.
شركات الشحن العالمية: بين التعطيل وإعادة تقييم المخاطر
تواجه شركات الشحن الدولية تحديات متزايدة في ظل استمرار التوترات، حيث أعلنت شركة “ميرسك” الدنماركية عن تعليق عملياتها في الخليج، مع بقاء 10 سفن حاويات عالقة في المنطقة. وأكد الرئيس التنفيذي للشركة، فينسنت كليرك، أن “سلامة الطواقم تأتي في المقام الأول”، مشيراً إلى أن استئناف العمليات الطبيعية قد يستغرق ما بين أسبوع إلى 10 أيام حتى في حال التوصل لوقف إطلاق النار.
وتنصح شركات الأمن البحري العالمية، مثل “نيبتون بي تو بي غروب”، بتجنب عبور المضيق في الوقت الحالي، إلا للناقلات المرتبطة بطرق تجارية محمية أو خاضعة لترتيبات أمنية خاصة.
تداعيات أمن الطاقة على اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي
بالنسبة لدول الخليج، يمثل استقرار مضيق هرمز ركيزة أساسية لأمنها الاقتصادي والطاقي. وأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة قد ينعكس على:
- الإيرادات المالية: اعتماد معظم موازنات دول المجلس على عائدات النفط والغاز.
- أسعار الوقود المحلي: احتمالية تأثر أسعار المشتقات النفطية في الأسواق المحلية.
- سلاسل الإمداد: تأخر وصول السلع الأساسية والمواد الخام المعتمدة على النقل البحري.
- أقساط التأمين: ارتفاع تكاليف التأمين البحري ضد المخاطر الحربية.
وتسعى حكومات المنطقة إلى تعزيز مخزوناتها الاستراتيجية، وتنويع مصادر التوريد، وتطوير البنية التحتية اللوجستية البديلة، كإجراءات استباقية لتعزيز المرونة الاقتصادية في وجه التحديات الجيوسياسية.


