حين هوى مؤشر السوق المالية السعودية («تاسي») ليكسر مستويات 9,438 نقطة ويسجل أدنى إغلاق له منذ سنوات، عمّ الذعر شاشات التداول واندفع المتعاملون لتسييل محافظهم بالخسارة تحت وطأة نزيف 257 شركة.
غير أن هذه المشاهد المليئة باللون الأحمر ليست غريبة على تاريخ السوق السعودي؛ ففي كل مرة تدخل فيها الأسواق ما يُعرف بـ «سوق الدببة» (Bear Market)، يتكرر الفرز الكلاسيكي بين فئتين: أغلبية مدفوعة بالخوف تسلم أسهمها عند القيعان، وأقلية من كبار المستثمرين وأصحاب النفس الطويل يرون في الركام أعظم نوافذ صناعة الثروة وإعادة كتابة التاريخ المالي لمحافظهم.
العودة إلى كواليس قيعان عام 2021—وما تلاها من صعود صاروخي للمؤشر تجاوز 13,000 نقطة—تكشف عن المخطط الهندسي الدقيق الذي اتبعه كبار المستثمرين لامتصاص الهلع وتحويل الانهيارات السعرية إلى مضاعفات رأسمالية مذهلة.
1. كسر سيكولوجية القطيع: التجميع العكسي بلا ضجيج
القاعدة الذهبية التي تحكم سلوك “حيتان السوق” هي أن الأرباح الاستثنائية تُصنع وقت الشراء في الهبوط وليس وقت البيع في القمة.
- في عام 2021، ومع تداخل التحديات التشغيلية وتذبذب السيولة، انحدرت تقييمات أسهم قيادية في قطاعات البنوك والمواد الأساسية إلى مستويات متدنية لم تشهدها الميزانيات منذ عقود.
- بينما كان المتداول اليومي يراقب الشاشات اللحظية برعب ويبيع خوفاً من مزيد من التراجع، كان كبار المستثمرين ينفذون استراتيجية “التجميع الصامت”؛ عبر وضع طلبات شراء مجزأة ومتباعدة عند مستويات الدعم الفنية القوية، دون ملاحقة الأسعار أو إشعال مضاربات لحظية، ممتصين أوامر البيع العشوائية التي كان يلقي بها الأفراد بدافع الهلع.
2. التركيز على “أصول لا تموت”: التدفق النقدي هو الملك
لم يقم كبار المستثمرين حينها بالمراهنة على أسهم المضاربة الهشة أو الشركات ذات الخسائر المتراكمة التي يسهل خروجها من السوق؛ بل حصروا سيولتهم الاستثمارية في شركات تمتلك ثلاثة عناصر نادرة:
- ملاءة مالية صلبة: شركات لا ترزح تحت وطأة ديون بنكية باهظة تهدد استمرارها في أوقات شح الائتمان.
- مركز احتكاري أو تنافسي لا غنى عنه: عمالقة يمتلكون حصصاً سوقية مهيمنة في قطاع الطاقة، البنوك الكبرى (مثل الراجحي والأهلي)، أو عمالقة البتروكيماويات والرعاية الصحية.
- استدامة التوزيعات النقدية: الشراء عند هبوط حاد يعني قفزة تلقائية في “العائد على التكلفة” (Yield on Cost)؛ فالأرباح النقدية الموزعة من تلك الأسهم كانت بمثابة راتب منتظم يُعاد استثماره لشراء كميات إضافية بأسعار أرخص في القيعان، لتتضاعف قوة الفائدة التراكمية.
3. فك شيفرة السيولة الذكية: الاحتفاظ بـ “ذخيرة الوقت الصعب”
أحد أهم أسرار كبار المستثمرين في عام 2021 كان تجنب استنزاف كامل السيولة في أول هبوط. لقد طبقوا بدقة مبدأ “الشراء الشريحي” (Tranche Investing):
- تخصيص جزء من المحفظة كنقد استراتيجي حقيقي (Dry Powder).
- عند كل كسر لقاع نفسي (ككسر 10,000 ثم 9,500)، تُضخ شريحة نقدية محسوبة لخفض متوسط التكلفة التراكمي للسهم (Averaging Down).
- النتيجة المحاسبية: عندما استقر السوق لاحقاً وبدأ أول مسار ارتدادي صاعد، لم تكن تلك المحافظ بحاجة إلى عودة المؤشر لقمه السابقة حتى تبدأ بجني الأرباح؛ بل دخلت في نطاق الربحية بمجرد ارتداد السوق بنسبة 15% إلى 20% فقط، وذلك بفضل انخفاض متوسطات الشراء.
4. حصاد الارتداد الكبير: كيف تحولت القيعان إلى مضاعفات 3x و5x؟
مع تلاشي الغيوم الجيوسياسية والاقتصادية وعودة السيولة المؤسسية والصناديق الأجنبية، انطلقت موجة التعافي الصاروخية لـ «تاسي». هنا ظهر الفارق الشاسع:
- المتداولون الذين خرجوا بدافع الهلع عند القيعان وقفوا على رصيف الانتظار يترددون في الدخول مع كل ارتفاع خوفاً من “المصيدة”، حتى فاتتهم موجة الصعود بالكامل واشتروا مجدداً عند القمم.
- في المقابل، شهد كبار المستثمرين تضاعف قيم محافظهم بمرتين وثلاث مرات في أسهم قيادية، إلى جانب تراكم كميات هائلة من أسهم التوزيع المجانية والمكاسب الرأسمالية التي حمت ثرواتهم لأجيال.

