لسنوات طويلة، كان المشهد العمراني في كبرى المدن السعودية يعاني من ظاهرة اقتصادية معقدة عُرفت بـ “التشوه الحضري واكتناز الأراضي”؛ مساحات شاسعة من الفضاءات الترابية تقع في قلب الأحياء الحيوية، مكتملة الخدمات ومحاطة بالطرق والإنارة، لكنها تظل محتجزة ومسوّرة لسنوات تحت وطأة المضاربة وتجميد الثروات بانتظار قفزات سعرية قياسية.
هذا السلوك عطل التمدد الطبيعي للمدن، ورفع تكلفة إيصال البنية التحتية إلى أطراف الصحراء، وحرم مئات الآلاف من الأسر من الحصول على مساكن ملائمة بأسعار عادلة.
لكن المعادلة انقلبت رأساً على عقب حين تحول التنظيم التشريعي إلى أداة تغيير هيكلية؛ ليروي نظام «رسوم الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة» واحدة من أضخم قصص النجاح في إدارة السياسات العامة وإعادة هندسة الاقتصاد العقاري، بعدما نجح في تحرير أكثر من 286 مليون متر مربع من الأراضي المحتكرة وضخها مباشرة في دورة التنمية والإنتاج.
البداية: كسر معادلة “الاحتكار المجاني”
بدأت الحكاية بقرار سيادي حاسم: “الأرض داخل النطاق العمراني لم تعد مخزناً مجانياً للقيمة على حساب المصلحة العامة”. فرض النظام رسماً سنوياً تصاعدياً بنسبة 2.5% من القيمة التقديرية للأرض غير المطورة، واضعاً الملاك أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الشروع الفوري في أعمال التطوير الإنشائي وإدخال المرافق، أو بيع الأرض وضخها في السوق للمطورين القادرين على استثمارها، وإلا فإن الرسوم السنوية المتراكمة ستقتطع جزءاً مؤلماً من القيمة الرأسمالية للأصل.
هذا التحول في قواعد اللعبة حوّل احتفاظ الملاك بالأراضي البيضاء من “استثمار آمن بلا تكلفة” إلى “عبء مالي يضغط على السيولة”، مما كسر حالة الجمود التاريخية وأطلق حركة تداول وتطوير واسعة.
خريطة التحول: 286 مليون متر مربع تعيد رسم المدن
لم تكن نتائج تطبيق البرنامج أرقاماً نظرية، بل تجسدت على أرض الواقع بمساحات تعادل مدناً ودولاً بأكملها دخلت مسارات التطوير الفعلي أو التداول التجاري:
- المنطقة الشرقية: تصدرت المشهد التنموي بتحرير 146 مليون متر مربع، مما فتح المجال لمشاريع لوجستية وسكنية وصناعية ضخمة على امتداد الساحل الشرقي.
- العاصمة الرياض: شهدت فك احتكار 71 مليون متر مربع، ما أسهم في كبح جماح التضخم العقاري ودعم استيعاب النمو السكاني المتسارع للعاصمة كمركز مالي إقليمي.
- منطقة مكة المكرمة والمدينة المنورة: استقبلتا تحرير 28 مليوناً و19 مليون متر مربع على التوالي، مما عزز الطاقة الاستيعابية لخدمة ضيوف الرحمن وتوفير مجتمعات سكنية حديثة للمواطنين.
- القصيم وعسير: شهدتا تحرير 15 مليوناً و7 ملايين متر مربع لدعم التنمية المتوازنة وتنشيط السياحة الداخلية.
- المحطة الأحدث (تبوك وحائل وجازان): تتويج مسار التوسع المناطقي بدخول 7 ملايين متر مربع جديدة (منها 5.3 مليون دخلت حيّز التداول الفوري، و1.3 مليون قيد التطوير، و466 ألف متر طُوّرت بالكامل).

