أعادت التوترات الجيوسياسية واضطرابات الملاحة الإقليمية في الممرات البحرية الحيوية للشرق الأوسط رسم مسارات التجارة وسلاسل الإمداد الدولية بصورة جذرية؛ حيث سارعت خطوط الشحن العالمية إلى تحويل مسارات سفنها نحو منافذ بديلة لتفادي مناطق التوتر (خاصة حول مضيق هرمز ومحيطه)، وهو ما وضع الموانئ السعودية المطلة على الساحل الغربي في واجهة حركة التجارة البحرية، محققاً طفرة تشغيلية غير مسبوقة توازت مع ضغوط تضخمية حادة في كلفة الشحن والوقود والتأمين البحري.
قفزة 20% في الطلب واستثمارات استباقية بمئات الملايين
في مؤشر بارز على التحولات اللوجستية، كشف الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة «محطات بوابة البحر الأحمر»، بدر العتيبي، لصحيفة «الشرق الأوسط»، أن الطلب على خدمات محطات الشركة في ميناء جدة الإسلامي قفز بنحو 20% منذ بداية عام 2026، مدفوعاً بتدفقات حركة المسافنة (الشحن العابر – Transshipment) وتحويل مسارات تدفق البضائع.
وأوضح العتيبي أن استثمارات البنية التحتية التراكمية السابقة البالغة 3.6 مليار ريال (960 مليون دولار)، والمشاريع التوسعية المشتركة مع الشركاء الدوليين، مكنت الموانئ الغربية من امتصاص صدمة التدفق المفاجئ للحاويات دون حدوث اختناقات تشغيلية.
كما أعلن عن ضخ استثمارات إضافية بقيمة 200 مليون ريال (53.3 مليون دولار) لتحديث المعدات ومواكبة المعطيات الطارئة، مع دراسة التوسع نحو سلاسل المستودعات اللوجستية خارج الموانئ.
وقود السفن يقفز 2.5 ضعفاً والتأمين يتضاعف في مناطق المخاطر
في المقابل، سلّط الرئيس التنفيذي لشركة «فُلك البحرية» (Folk Maritime)، بول هيستبيك، الضوء على الجانب الآخر من معادلة الأزمة؛ مؤكداً أن اضطرابات الملاحة رفعت تكاليف وقود السفن إلى ما بين ضعفين ونصف وثلاثة أضعاف مستوياتها المعتادة، في حين قفزت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن العاملة في المناطق الحساسة لعدة أضعاف.
وأشار إلى أن تغيير المسارات وإطالة الرحلات البحرية وازدحام بعض الموانئ أدت إلى تراجع نسبي في الطاقة التشغيلية الفعلية، وإجبار الشركات على تفريغ البضائع في موانئ بديلة في الإمارات وعمان ثم نقلها براً نحو وجهاتها النهائية. وأكد هيستبيك أن خطوط الملاحة اضطرت لتمرير هذه التكاليف الباهظة إلى أصحاب البضائع والمستوردين، ومن ثم إلى المستهلك النهائي.

