تجسد مسيرة “مدينة الملك عبدالله الاقتصادية” (KAEC) واحدة من أبرز قصص التحول المؤسسي والاستراتيجي في تاريخ تخطيط المدن الاقتصادية بالمنطقة؛ إذ استطاعت إدارة المدينة وشركة “إعمار المدينة الاقتصادية” تحويل مشروع واجه تحديات هيكلية في بداياته العقارية إلى عاصمة إقليمية رائدة لصناعة المركبات المتقدمة ومنظومات النقل المستدام، متوجة مسارها بالاتفاق التاريخي البالغة قيمته 405 ملايين دولار مع شركة “مسارات موبيليتي بارك” لتدشين مجمع متكامل للتنقل الذكي.
السياق التاريخي: شجاعة المراجعة والخروج من عباءة التطوير العقاري التقليدي
انطلقت مدينة الملك عبدالله الاقتصادية قبل عقدين تقريباً كأحد أضخم مشاريع التطوير الحضري المستندة إلى رأس المال الخاص؛ حيث كان المخطط الأساسي يركز على المجمعات السكنية، والمنتجعات الساحلية، والخدمات التجارية العامة. ومع تذبذب الدورات العقارية وبطء وتيرة الاستيطان السكني، واجه الكيان تحديات مالية وضغوطاً على السيولة والتدفقات النقدية.
غير أن نقطة التحول المفصلية بدأت حين قررت القيادة التنفيذية ومجلس الإدارة إجراء مراجعة استراتيجية شاملة بالتنسيق مع الصناديق السيادية، والانتقال الحاسم من مجرد “مطور عقاري” إلى “مشغل لمنظومة صناعية ولوجستية متقدمة”، مستفيدة من الموقع الجغرافي الاستراتيجي للوادي الصناعي وميناء الملك عبدالله المطل على ممرات الملاحة العالمية في البحر الأحمر.
التحليل الاقتصادي: كفاءة استقطاب التحالفات ومواءمة مستهدفات “رؤية 2030”
يمثل هذا التحول قصة نجاح تنفيذية تواكب مستهدفات “رؤية السعودية 2030” وبرنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية (ندلب) من خلال ركيزتين:
- بناء التكتل الصناعي (Industrial Clustering): لم تكتفِ المدينة بعرض الأراضي الصناعية للمستأجرين، بل تبنت استراتيجية بناء سلاسل القيمة المترابطة لقطاع السيارات. بدأ ذلك بالنجاح في استقطاب كبرى شركات تصنيع السيارات الكهربائية العالمية (مثل لوسيد وسير)، ثم توسيع المظلة لتشمل مصنعي البطاريات والأنظمة البرمجية وصولاً إلى “مسارات موبيليتي بارك”، مما جعل التواجد داخل المدينة حافزاً تنافسياً يقلل تكلفة النقل والتوريد بين المصانع المتجاورة.
- إعادة هيكلة الأصول وتحسين الملاءة المالية: أسهم التحول نحو عقود الانتفاع والتطوير الصناعي طويلة الأجل في تحويل الأراضي الشاسعة غير المستغلة إلى أصول مدرة لتدفقات نقدية مستدامة، مما مكّن شركة “إعمار الاقتصادية” من خفض التزاماتها التمويلية، ورفع تصنيفها الائتماني، وإعادة بناء ثقة المستثمرين في السوق المالية السعودية.

