تُعد تجربة “هيئة التأمين” في المملكة العربية السعودية نموذجاً مؤسسياً ملهماً في قيادة التغييرات الهيكلية وإدارة التحولات الاقتصادية الكبرى، فخلال فترة وجيزة من تأسيسها وتنظيم اختصاصاتها التشريعية، استطاعت الهيئة إعادة تشكيل بيئة التأمين الوطنية وتحويلها من سوق متفرق إلى قطاع مالي منظم، ذي ملاءة صلبة، استطاع قفز إجمالي أقساط التأمين المكتتبة فيه إلى 84.5 مليار ريال سعودي (ما يعادل 22.5 مليار دولار أمريكي) بنهاية عام 2025، وبنسبة نمو سنوي بلغت 10.7%.
تنظيم التشريعات وتأسيس البيئة الاستثمارية الصلبة
بدأت قصة النجاح عبر وضع إطار تشريعي وحوكمي صارم يهدف إلى حماية حقوق المؤمن لهم، وتعزيز الشفافية الماليّة بين الشركات الفاعلة في السوق. وحرصت هيئة التأمين على تحديث الأنظمة، وتسهيل إجراءات الاندماج والاستحواذ لإنشاء كيانات تأمينية ضخمة تمتك الملاءة المالية الكافية لمواجهة المخاطر الكبرى.
كما أسهمت التشريعات الصارمة والسياسات الإلزامية لتغطية التأمين الصحي وتأمين المركبات في رفع الوعي التأميني، حيث استحوذ التأمين الصحي على 59.4% من إجمالي الأقساط، بينما مثل تأمين المركبات 20.3%، مما وفر تدفقات نقدية مستدامة عززت من قدرة الشركات على الاستثمار وتوسيع التغطيات الشاملة.
المواكبة التامة لبرنامج تطوير القطاع المالي ورؤية 2030
انسجمت تحركات هيئة التأمين انسجاماً كاملاً مع مستهدفات “رؤية السعودية 2030” وبرنامج تطوير القطاع المالي؛ إذ نجحت الهيئة في زيادة عمق التأمين كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي ليعادل 2.5% في عام 2025 مقارنة بـ 2.3% في عام 2024.
وأثمرت هذه الهيكلة عن تحويل قطاع التأمين إلى ركيزة أساسية لدعم المشروعات الوطنية الكبرى (Gigaprojects)، واستقطاب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، وتأمين سلاسل الإمداد والأنشطة الاقتصادية غير النفطية بما يضمن تنوع مصادر الدخل الوطني.

