في سوق المقاولات والخدمات الهندسية البحرية التي طالما هيمنت عليها الكيانات الأوروبية والأمريكية الكبرى لعقود طويلة، شكّل إعلان شركة «بتروفيتنام للخدمات الفنية» (PTSC) تلقي خطاب ترسية لتطوير حقل «ميدان محزم» البحري في قطر بصفقة تقدر بـ 3 مليارات دولار علامة فارقة؛ حيث يجسد هذا الإنجاز نموذجاً ملهماً لرحلة التحول من مزود خدمات وطني محدود النطاق إلى لاعب رئيسي في سلاسل إمداد الطاقة الدولية وأسواق الخليج التنافسية.
البدايات المحلية وتأسيس الكفاءة الميدانية
انطلقت الشركة التابعة للمجموعة الوطنية الفيتنامية للنفط والغاز كذراع لوجستية وتشغيلية تقتصر مهامها على دعم الحقول المحلية وحلول النقل والصيانة البسيطة داخل المياه الفيتنامية؛ إلا أن الرؤية الإدارية ركزت مبكراً على تحويل هذه التجربة إلى رصيد عملي عبر:
- توطين التكنولوجيا وبناء القدرات الفنية: الاستثمار المتواصل في تدريب المهندسين والكوادر البحرية للحصول على اعتمادات عالمية تضاهي أرقى المعايير الدولية.
- الاستثمار في الأصول والمعدات: بناء وتطوير أحواض تصنيع متطورة للمنصات البحرية وسفن الدعم المتخصصة، مما أتاح للشركة القدرة على المنافسة في مشاريع ذات موثوقية عالية وأوقات تسليم دقيقة.
- إتقان نموذج المقاولات المتكامل (EPCIC): الانتقال التدريجي من تنفيذ مهام مجزأة إلى تقديم حلول شاملة تغطي التصاميم الهندسية، والمشتريات، والتصنيع، والنقل والتركيب، والتشغيل التجريبي تحت إدارة واحدة.
استراتيجية التوسع والمنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية
لم تكن المنافسة على عقود ضخمة في منطقة الشرق الأوسط وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة لاقتناص فرص الأسواق المتسارعة بفضل ميزتين حاسمتين: الكفاءة التقنية الصارمة، والتسعير التنافسي الذكي؛ حيث أثبتت الشركة قدرتها على تسليم مكونات عملاقة ومعقدة لمنشآت الطاقة البحرية وفق معايير السلامة العالمية المعترف بها لدى عمالقة الإنتاج، ما منحها الثقة والمصداقية لاختراق السوق الخليجية التي لا تقبل المساومة على الجودة التشغيلية.
دروس مستفادة لرواد الأعمال وأصحاب المشاريع الصناعية
تعد تجربة «بتروفيتنام» دليلاً حياً على أن الشركات القادمة من أسواق ناشئة قادرة على كسر احتكار الكبار، وتتلخص أهم الدروس في:
- بناء السمعة خطوة بخطوة: الاعتماد على المشروعات الصغيرة والمتوسطة كمنصة لإثبات الموثوقية قبل الدخول في عطاءات المليارات.
- المرونة والتكامل التشغيلي: القدرة على تكييف الحلول الهندسية وتقليل التكاليف دون المساس بالمعايير الفنية المعتمدة.
- استثمار تحولات سلاسل الإمداد العالمية: الاستفادة من رغبة كبرى شركات النفط والغاز في تنويع شركائها وعدم الاعتماد على احتكارات تقليدية، لتقديم بدائل هندسية متطورة وسريعة التنفيذ.

