كشف استطلاع حديث أجرته وكالة “رويترز” للأبحاث الاقتصادية عن احتفاظ الاقتصاد السعودي بمرونة ملموسة وقدرة متميزة على مجابهة الضغوط الجيوسياسية الإقليمية والدولية؛ حيث توقع خبراء ومحللون اقتصاديون نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة العربية السعودية بنسبة 1.4% خلال العام الجاري 2026.
ورغم أن هذا الرقم يمثل تراجعاً طفيفاً مقارنة بتقديرات سابقة كانت تشير إلى نمو بنسبة 2.6%، إلا أن الأداء العام للمملكة يبرز بقوة واستقرار عند مقارنته مع النظراء الإقليميين في منطقة الخليج العربي.
وأظهرت بيانات الاستطلاع ذاته تراجعاً حاداً في الآفاق الاقتصادية لعدة دول خليجية نتيجة التحديات الجيوسياسية وتأثيرها المباشر على مضيق هرمز وممرات الشحن البحري؛ حيث تشير التوقعات الحالية إلى انكماش أعمق لاقتصادات البحرين بنسبة 5.1% (مقارنة بـ 2.9% سابقاً)، وانكماش اقتصاد دولة الكويت بنسبة 8.1% (مقارنة بـ 4.4% سابقاً)، مع دخول اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة في نطاق انكماش محدود للغاية بنسبة 0.5% مقارنة باستقرار تفرضه مرونة قطاعات التجارة غير النفطية.
التوسعة الذكية: السياق التاريخي والتحليل الاقتصادي والرؤية المستقبلية
1. السياق التاريخي وجذور الصدمات النفطية
تأتي هذه التوقعات المحدثة في سياق تاريخي متقلب شهده سوق الطاقة العالمي، متمثلاً في تداعيات الاضطرابات والتوترات الجيوسياسية المستمرة في البحر الأحمر ومضيق هرمز والتي أدت إلى صدمة مؤقتة في حركة الملاحة ورفعت أسعار خام برنت لتصل إلى حوالي 85 دولاراً للبرميل.
وتاريخياً، كانت اقتصادات دول الخليج العربي ترتفع تلقائياً وبسرعة فائقة مع صعود أسعار النفط، غير أن المعطيات الراهنة في عام 2026 تثبت أن الارتفاع السعري للنفط لم يعد كافياً لوحده لتعويض الانخفاض الإجباري لنسب وحصص التصدير وارتفاع علاوات المخاطر والتأمين البحري، مما دفع المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدولي لمراجعة تقديراتها.
2. التحليل الاقتصادي والارتباط الوثيق بـ “رؤية السعودية 2030”
يكشف نجاح الاقتصاد السعودي في الحفاظ على نمو إيجابي بنسبة 1.4%—بينما تدخل قوى اقتصادية إقليمية أخرى في دائرة الانكماش—عن نجاح ركائز رؤية السعودية 2030 في بناء مصدات اقتصادية متينة وحماية الموازنة العامة من الصدمات الخارجية.
فالجهود الاستراتيجية التي قادتها المملكة لتعزيز مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، وتطوير البنية التحتية اللوجستية البديلة (عبر موانئ الساحل الغربي كالبحر الأحمر)، ودفع عجلة الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات الواعدة مثل التقنية المتقدمة والسياحة الفاخرة والصناعات العسكرية، ساهمت بشكل حاسم في امتصاص صدمات تراجع مبيعات النفط وتكاليف الشحن المعقدة.

