في خطوة تؤكد عزمها على إحكام قبضتها على مفاصل اقتصاد الذكاء الاصطناعي، أعلنت شركة “إنفيديا” (Nvidia)، العملاق العالمي في صناعة الرقائق، عن استثمار ضخم بقيمة ملياري دولار في مجموعة “نيبيوس” (Nebius Group) الهولندية.
لا يهدف هذا الاستثمار لتمويل الشركة فحسب، بل يأتي كجزء من شراكة تقنية وعملياتية تهدف إلى بناء وإدارة مراكز بيانات متطورة تعتمد كلياً على الجيل الأحدث من معالجات “إنفيديا”، مما يرسخ مفهوم “الاستثمار الدائري” في دعم الشركات التي تمثل القوة الشرائية الكبرى لمنتجاتها.
توسعة هائلة: 5 غيغاواط من القدرة الحوسبية
كشفت “نيبيوس” أن هذا التعاون سيمكنها من نشر أنظمة لشركة “إنفيديا” بقدرة طاقة تتجاوز 5 غيغاواط بحلول عام 2030. ولتوضيح حجم هذه الطاقة، فهي تعادل ما يكفي لإمداد نحو 3.8 مليون منزل بالكهرباء، مما يعكس الضخامة التقنية التي تتطلبها نماذج الذكاء الاصطناعي في مرحلة “الاستدلال” (Inference) – وهي المرحلة التي يتم فيها تشغيل النماذج وتقديم الخدمات للمستخدمين النهائيين بعد انتهاء مراحل التدريب المعقدة.
السياق التاريخي: من “ياندكس” إلى ريادة الحوسبة السحابية
تحمل شركة “نيبيوس” قصة تحول دراماتيكية؛ حيث كانت تُعرف سابقاً بالشركة القابضة لعملاق البحث الروسي “ياندكس”. وفي عام 2024، وبعد ضغوط جيوسياسية وتغيرات هيكلية، أتمت الشركة بيع أعمالها داخل روسيا مقابل 5.2 مليار دولار وأعادت تسمية نفسها “نيبيوس” متخذة من أمستردام مقراً لها.
ومنذ ذلك الحين، نجحت في جذب استثمارات كبرى، كان لـ “إنفيديا” نصيب منها منذ ديسمبر 2024، قبل أن يتوج هذا التعاون بالاستثمار الملياري الأخير الذي يضعها في منافسة مباشرة مع شركات مثل “كورويف” (CoreWeave).
التحليل الاقتصادي وتوقعات السوق المستقبلي
يعكس هذا الاستثمار استراتيجية “إنفيديا” في تحويل سيولتها النقدية الضخمة إلى “أصول تشغيلية” من خلال دعم شركاء البنية التحتية. وتبرز دلالات هذا التحرك في عدة نقاط:
ضمان قنوات التوزيع: عبر الاستثمار في “نيبيوس”، تضمن “إنفيديا” وجود مراكز بيانات جاهزة لاستيعاب أحدث رقائقها (مثل معالجات Blackwell وما بعدها).
رؤية 2030 والتحول الرقمي: يتزامن مستهدف الـ 5 غيغاواط في 2030 مع التوجهات العالمية (بما في ذلك رؤية السعودية 2030) التي تضع الحوسبة الفائقة كركيزة للاقتصاد الجديد.
مواجهة “الفقاعة”: رغم الانتقادات بأن هذه الاستثمارات قد تغذي فقاعة الذكاء الاصطناعي، إلا أن الطلب المتزايد على “الاستدلال” يشير إلى أن مراكز البيانات هي العقار الحقيقي للقرن الحادي والعشرين.


