شهدت الأسواق العالمية في مطلع شهر مارس 2026 تحولات دراماتيكية، حيث واجه الذهب ضغوطاً بيعية حادة دفعته للتراجع دون مستويات الدعم النفسي، مسجلاً مستويات قريبة من 5,050 دولاراً للأونصة.
هذا “النزيف” المؤقت، كما يصفه المحللون، لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تقاطع نيران جيوسياسية واقتصادية، حيث فرض النفط والدولار سطوتهما على المشهد الاستثماري، تاركين المعدن الأصفر في رحلة بحث عن توازنه المفقود.
السياق التاريخي: الذهب في مواجهة الأزمات
تاريخياً، يُعرف الذهب بأنه “الملاذ الآمن” الأول وقت الحروب. ومع ذلك، سجلت الذاكرة الاقتصادية حالات مماثلة (مثل أزمة 2008 وبدايات جائحة كورونا) تراجع فيها الذهب في بداية الأزمة نتيجة حاجة المستثمرين الماسة لـ “السيولة الدولارية” لتغطية خسائرهم في أسواق الأسهم والنفط.
ما نراه اليوم هو تكرار لهذا النمط؛ حيث يتم تسييل الذهب ليس لفقدان الثقة به، بل لاستخدامه كوقود مالي لمواجهة تقلبات أسواق الطاقة العنيفة التي أشعلها الصراع الأخير في الشرق الأوسط.
التحليل الاقتصادي ورؤى المنطقة (2030 و2040)
بالنسبة للاقتصادات الخليجية، وخاصة في إطار رؤية السعودية 2030 ورؤية عمان 2040، فإن هذا المشهد يمثل سلاحاً ذو حدين:
عائدات الطاقة: ارتفاع النفط فوق 100 دولار يعزز الفوائض المالية للمشاريع التنموية الكبرى في المملكة والسلطنة.
التضخم المستورد: قوة الدولار (المرتبط بالريال السعودي والعماني) تساعد في كبح جماح التضخم المستورد، لكن تراجع الذهب قد يؤثر على تقييم الاحتياطيات السيادية في المدى القصير.
إن استراتيجية التنويع الاقتصادي في المنطقة باتت تؤتي ثمارها، حيث لم يعد الاستثمار مقتصرًا على السلع الأولية، بل امتد ليشمل الصناديق السيادية التي توازن بين الذهب والأسهم التقنية وأصول الطاقة.
التوقعات المستقبلية: أين يتجه المعدن الأصفر؟
من المتوقع أن يظل الذهب تحت ضغط “مطرقة” الفيدرالي الأميركي و”سندان” أسعار الطاقة خلال الربع الثاني من عام 2026. إذا استقر النفط عند مستويات مرتفعة، فإن التضخم سيجبر البنوك المركزية على إبقاء الفائدة مرتفعة، وهو ما يقلل جاذبية الذهب الذي لا يدر عائداً.
ومع ذلك، يرى الخبراء أن أي تهديد إضافي لسلاسل التوريد في مضيق هرمز قد يقلب الطاولة، ليعود الذهب للصعود كخيار وحيد للتحوط من انهيار العملات الورقية.
بريق الذهب وسط ضبابية الحرب
ختاماً، ما يحدث ليس “انهياراً” بل هو “إعادة تموضع”. فمشتريات البنوك المركزية، وعلى رأسها الصين، لا تزال تشكل صمام أمان يمنع السقوط الحر. الذهب ينتظر “لحظة الهدوء” من عاصفة الدولار ليعاود التحليق، خاصة وأن المكاسب السنوية التي بلغت 17% لا تزال تجعله أحد أفضل الأصول أداءً في عام 2026.

