حين يعلن بنك مثل «بنك الجزيرة» عن فتح دفاتر الاكتتاب لطرح صكوك رأس مال من الشريحة الثانية (Tier 2 Sukuk) بقيمة اسمية تبلغ مليون ريال سعودي للصك الواحد عبر طرح خاص للمستثمرين المؤهلين، فإن المسألة لا تتعلق بمجرد عملية تمويلية عابرة لتغطية التزامات قصيرة الأجل. إنها خطوة تعكس «سباق تسلح رأسمالي صامت» يخوضه القطاع المصرفي السعودي في الربع الأخير من عام 2026 لإعادة ضبط توازنات ميزانياته العمومية.
تجد البنوك السعودية نفسها اليوم أمام مفارقة تشغيلية حادة؛ فمن ناحية، تقود البنوك أكبر دورة توسع ائتماني في تاريخ المملكة لتمويل المشاريع الكبرى (Giga-Projects)، وعقود البنية التحتية، وبرامج التطوير العقاري والصناعي التي تشهد تسارعاً استثنائياً. ومن ناحية أخرى، اصطدم هذا النمو الائتماني المتسارع بتباطؤ نسبي في نمو الودائع المصرفية المحلية التقليدية، مما رفع نسبة القروض إلى الودائع (LDR) ودفع نسب كفاية رأس المال (CAR) نحو اختبار حدودها التنظيمية الدنيا المحددة من قبل البنك المركزي السعودي («ساما») ولجنة بازل 3.
في ظل هذه المعطيات، لم تعد الودائع لأجل كافية وحدها، وأصبح اللجوء إلى سوق الدين المحلي عبر أدوات رأس المال المساند (Tier 2 Capital) هو “المعادلة الذهبية” لضخ دماء جديدة في ماكينة الإقراض دون التسبب في تخفيف ملكية المساهمين أو إرباك ربحية السهم.
1. ميكانيكا الفجوة: لماذا تتفوق شهية الإقراض على حصيلة الودائع في 2026؟
يكشف تحليل الميزانيات المجمعة للقطاع المصرفي عن محركين رئيسيين يضغطان على السيولة:
- طفرة الائتمان المؤسسي طويل الأجل: تتطلب مشاريع الطاقة، واللوجستيات، والمدن اللوجستية، ومشاريع الإسكان التنموي خطوط ائتمان تمتد لـ 7 إلى 15 عاماً. هذا النوع من الإقراض طويل الأجل (Corporate Capex Financing) يحتاج إلى مصادر تمويل متطابقة في الآجال، وهو ما تعجز عنه الودائع المصرفية تحت الطلب (CASA) أو حتى الودائع لأجل التي تتراوح مددها بين 3 و12 شهراً.
- ارتفاع كلفة الأموال والمنافسة البينية: مع وصول نسب الإقراض إلى مستويات مرتفعة، اشتعلت حرب استقطاب الودائع الكبيرة بين البنوك، مما رفع كلفة الأموال (Cost of Funds). محاولة البنك جذب مليارات إضافية من الودائع لأجل تضغط هامش الفائدة الصافي (NIM) وتلتهم أرباح التشغيل. في المقابل، يمنح إصدار صكوك الشريحة الثانية البنك تمويلاً مستقراً لـ 5 أو 10 سنوات بهامش ربح ثابت أو متغير مربوط بالسايبور (SAIBOR Margin) دون إشعال حرب أسعار على الودائع اليومية.
2. الهندسة التنظيمية: كيف تعيد صكوك الشريحة الثانية بناء كفاية رأس المال (CAR)؟
بموجب تعليمات «ساما» وإطار بازل 3 الدولي، يجب على كل بنك الاحتفاظ بنسبة محددة من رأس المال مقابل الأصول المرجحة بالمخاطر (Risk-Weighted Assets – RWA):
$$\text{Total CAR} = \frac{\text{Tier 1 Capital} + \text{Tier 2 Capital}}{\text{Risk-Weighted Assets (RWA)}}$$
- معضلة نمو القروض وأثرها على RWA: كلما منح البنك مليار ريال كقروض تجارية أو عقارية جديدة، قفز بند الأصول المرجحة بالمخاطر في المقام، مما يؤدي تلقائياً إلى انخفاض نسبة كفاية رأس المال الإجمالية (Total CAR) نحو الخطوط الحمراء، حتى لو كان البنك يحقق أرباحاً صافية جيدة.
- حل الشريحة الثانية دون تخفيف الملكية (Zero Dilution): لرفع النسبة، يمتلك البنك خيارين: إما زيادة رأس المال عبر إصدار أسهم حقوق أولوية (وهو خيار غير محبذ لأنه يخفف أرباح السهم ويغضب المساهمين)، أو إصدار صكوك الشريحة الثانية (Tier 2). تُحتسب هذه الصكوك قانونياً ضمن البسط (Capital Base) كرأس مال مساند، مما يرفع نسبة كفاية رأس المال فوراً بنحو 100 إلى 200 نقطة أساس، ويتيح للبنك إعادة تدوير تلك الملاءة لمنح حزم قروض جديدة تفوق قيمة الإصدار بأربعة إلى خمسة أضعاف.

