عندما تأسس صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF) بموجب مرسوم ملكي عام 1971، لم تكن غايته آنذاك مزاحمة عمالقة وول ستريت أو قيادة تحولات كبرى في الاقتصاد العالمي؛ بل كان دوره محصوراً ومحدداً كذراع تمويلية حكومية تهدف إلى دعم وتطوير الشركات ذات الأهمية الاستراتيجية للاقتصاد الوطني الداخلي، وتمويل مشاريع البنية التحتية والمرافق العامة.
وعلى مدى أربعة عقود، ظلت أصول الصندوق ومحفظته محصورة إلى حد كبير في حصص استراتيجية داخل كبريات الشركات السعودية، بحجم أصول لم يكن يتجاوز بضع مئات المليارات من الريالات، حيث اتسمت إدارته بالتحفظ الاستثماري والدور التنموي الداخلي البحت.
نقطة التحول التاريخية: ولادة العملاق الاستثماري
جاء عام 2015 ليمثل نقطة الانطلاق الكبرى التي أعادت رسم ملامح الصندوق من الألف إلى الياء، عقب صدور الأمر الملكي القاضي بربط الصندوق بمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء.
ومنذ ذلك الحين، جرى إطلاق استراتيجية إعادة هيكلة جذرية حولت الصندوق من مجرد محفظة قابضة للأصول الحكومية إلى “محرك أساسي للتحول الاقتصادي”، مستهدفاً تنويع مصادر الدخل غير النفطي وإعادة تدوير السيولة عبر تأسيس قطاعات وصناعات جديدة لم تكن موجودة في المملكة، بالتوازي مع اقتناص فرص استثمارية استراتيجية حول العالم لتعظيم العوائد التراكمية.
رحلة الصعود بالأرقام والصفقات النوعية
شهدت مسيرة الصندوق قفزات رقمية استثنائية وثّقت نجاح هذه التجربة؛ إذ تضاعفت الأصول المدارة من نحو 150 مليار دولار في عام 2015 لتتخطى حاجز 900 مليار دولار وتقترب بثبات من تريليون دولار.
ولم يكن هذا النمو مجرد أرقام محاسبية، بل انعكس في قيادة مشاريع عملاقة (Giga-Projects) تُعد الأضخم من نوعها عالمياً مثل «نيوم» و«البحر الأحمر» و«القدية» و«روشن»، وتأسيس أكثر من 90 شركة تابعة في قطاعات واعدة شملت الطيران، والتعدين، والسيارات الكهربائية، والذكاء الاصطناعي، والترفيه.
كما دخل الصندوق في صفقات استثمارية عالمية جريئة تركت صدى واسعاً في الأوساط المالية الدولية، مما فرض حضوره كلاعب استثماري مؤثر لا يمكن لأي مؤسسة مالية كبرى تجاوزه.


