كشفت نتائج أعمال البنوك الإسلامية في منطقة الخليج عن الربع الثالث والتسعة أشهر من عام 2026 عن ظاهرة محاسبية وتشغيلية لافتة؛ ففي الوقت الذي واصلت فيه الإيرادات التشغيلية الإجمالية تحقيق قفزات تقارب الـ 10%، استقر نمو صافي الأرباح العائدة للمساهمين عند مستويات شبه أفقية لم تتجاوز 0.2% إلى 1%.
قدمت القوائم المالية الأخيرة لـ «مصرف أبوظبي الإسلامي» (ADIB) نموذجاً كلاسيكياً لهذه المعضلة: حيث ارتفع إجمالي الإيرادات التشغيلية بنسبة 9.9% ليصل إلى 5.191 مليار درهم في الربع الثالث، مدفوعاً بزيادة حجم التمويل والرسوم المصرفية، إلا أن صافي الدخل بعد توزيعات أصحاب حسابات الاستثمار وحملة الصكوك نما بنسبة 0.3% فقط (إلى 3.223 مليار درهم)، ليستقر صافي الربح الفصلي عند 1.729 مليار درهم (+0.2% سنوياً).
هذا الانفصال الواضح بين سرعة نمو الإيرادات وجمود قاع قائمة الدخل يطرح تساؤلاً جوهرياً حول خصوصية النموذج المصرفي الإسلامي عند بلوغ دورة التشديد النقدي ذروتها: أين تذهب مكاسب الفائدة المرتفعة؟
1. آلية تقاسم الأرباح: سيف ذو حدين في بيئة الفائدة المرتفعة
على عكس البنوك التقليدية التي تعتمد على الودائع تحت الطلب منخفضة التكلفة (CASA) وتتحكم مباشرة في أسعار الفائدة المدفوعة، يرتكز النموذج الإسلامي على صيغ المشاركة والمضاربة:
- توسع حصة المودعين وحملة الصكوك: في بيئة أسعار الفائدة المرتفعة، يقبل المتعاملون على تحويل أموالهم من الحسابات الجارية غير المدفوعة إلى «حسابات الاستثمار المطلقة والودائع لأجل القائمة على الوكالة أو المرابحة» للاستفادة من العوائد العالية. وبموجب الشريعة، يُعاد توزيع الجزء الأكبر من العائد المحقق من محفظة التمويل مباشرة على المودعين، مما يقتطع أي فائض إيرادي تحققه البنوك من زيادة الرسوم أو نمو حجم الإقراض.
- ارتفاع كلفة إصدارات الصكوك السيادية والخاصة: اضطرت المصارف الإسلامية لتسعير إصداراتها من الصكوك الرأسمالية (Tier 1) والصكوك الممتازة بعوائد مرتفعة لمجاراة السندات التقليدية، مما فرض التزامات توزيع دورية ثابتة تضغط مباشرة على صافي الهامش.
2. معضلة “إعادة تسعير الأصول”: جمود عقود المرابحة طويلة الأجل
ينبع الضغط الهيكلي الثاني من عدم التماثل الزمني في إعادة تسعير الأصول مقابل الخصوم (Asset-Liability Mismatch):
- عقود التمويل العقاري والتجاري ثابتة العائد: نسبة معتبرة من أصول البنوك الإسلامية تتكون من عقود مرابحة وإجارة موصوفة في الذمة ذات أسعار مرابحة ثابتة لسنوات طويلة. وبينما ارتفعت تكلفة جذب السيولة والودائع فوراً مع رفع البنوك المركزية لأسعار الفائدة، ظلت عوائد تلك التمويلات التاريخية مجمدة عند مستويات الفائدة السابقة.
- تباطؤ دوران المحفظة (Portfolio Churn): يتردد المقترضون من الشركات والأفراد في طلب تمويلات جديدة أو إعادة هيكلة ديونهم الحالية بأسعار الفائدة القياسية الراهنة، مما قلص قدرة المصارف على استبدال الأصول القديمة منخفضة الهامش بأصول جديدة ذات عائد أعلى.
3. التنافس الشرس على السيولة واستباق قرارات كفاية رأس المال
تتزامن ذروة الفائدة مع تشديد متطلبات السيولة وكفاية رأس المال (Basel III)، مما دفع المصارف إلى تبني استراتيجيات دفاعية مكلفة:
- حرب استقطاب كبار المودعين المؤسسيين: التنافس المحموم بين البنوك الخليجية على الودائع الحكومية والمؤسسية قاد إلى تقديم عوائد استثمارية تنافسية قياسية لضمان استقرار نسب تغطية السيولة (LCR).
- اللجوء لزيادات رؤوس الأموال عبر حقوق الأولوية: كما أعلن مصرف أبوظبي الإسلامي عن فتح باب الاكتتاب في 106.3 مليون سهم جديد عبر حقوق الأولوية في 10 نوفمبر 2026؛ حيث تهدف المصارف لامتصاص النمو في الأصول الموزونة بالمخاطر (RWA) ذاتياً، وتجنب الاقتراض الإضافي عالي الكلفة، وإن كان ذلك يؤدي مؤقتاً لتخفيف ربحية السهم (EPS Dilution).
3. مصفوفة مقارنة الأثر المالي: تشريح مسار الإيرادات وهوامش الأرباح
| المؤشر المالي والتشغيلي | السلوك عند بدء رفع الفائدة (2022 – 2024) | السلوك عند بلوغ ذروة الفائدة (2025 – 2026) | النتيجة والتأثير على المصرف الإسلامي |
| الإيرادات التشغيلية الإجمالية | نمو سريع نتيجة التوسع الائتماني المباشر | نمو مدفوع بالرسوم والتمويل الجديد (+9.9%) | توسع ملحوظ في خط الإيرادات الأعلى |
| توزيعات المودعين وأصحاب الاستثمار | منخفضة وتتحرك ببطء خلف أسعار السوق | قفزة لمجاراة عوائد السوق وحسابات الوكالة | استنزاف مباشر لمكاسب نمو الإيرادات |
| صافي هامش التمويل (NIM) | اتساع استثنائي بسبب تأخر انتقال الفائدة للودائع | انكماش وضغوط حادة مع اكتمال انتقال أثر الفائدة | تثبيت صافي دخل التمويل عند مستويات أفقية |
| عقود التمويل طويلة الأجل | تدر هوامش مقبولة قياساً بتكلفة الودائع الرخيصة | أصول بطيئة إعادة التسعير قياساً بالودائع الغالية | تراجع العائد الحقيقي على الأصول (ROA) |
| صافي الربح النهائي للمساهمين | قفزات سنوية قوية (+15% إلى +30%) | استقرار شبه كامل (+0.2% إلى +1%) | دخول مرحلة “الهضبة الربحية” (Profit Plateau) |

