لم تكن صفقة بيع مجموعة الإمارات للاتصالات («&e») كامل حصتها البالغة 16.21% في «مجموعة فودافون العالمية» مقابل تحقيق ربح رأسمالي استثنائي تجاوز 8 مليارات درهم مجرد عملية جني أرباح عابرة؛ بل شكلت إعلاناً صريحاً عن نهاية حقبة وبداية أخرى في الاستراتيجية التوسعية للمجموعة.
فعلى مدار العقد الماضي، لاحقت شركات الاتصالات الخليجية عوائد الاستثمار في أسواق الاتصالات الأوروبية الناضجة بحثاً عن تدفقات نقدية بالعملات الصعبة وأصول مستقرة.
غير أن الواقع التشغيلي في القارة العجوز اصطدم بتشريعات تنظيمية صارمة، وضرائب مرتفعة، وتراجع في متوسط العائد لكل مستخدم (ARPU)، وانعدام فرص النمو في خطوط الصوت والبيانات التقليدية.
الآن، ومع تدفق السيولة المليارية من صفقة فودافون (بالتوازي مع تسييل حصة 12.5% من شركة «كريم» لصالح «أوبر» مقابل 100 مليون دولار)، تُعيد «&e» تدوير رأس مالها (Capital Recycling) بالكامل؛ مغلقة الباب خلف الاتصالات التقليدية في أوروبا، لتفتح نافذة استثمارية أضخم وأعلى نمواً: التحول إلى عملاق البنية التحتية الرقمية، ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي (AI Data Centers)، والحوسبة السحابية السيادية في الأسواق الناشئة عبر آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط.
1. لماذا هجرت «&e» أسواق الاتصالات التقليدية في أوروبا؟
جاء قرار التخارج مدفوعاً بثلاث حقائق اقتصادية فرضت نفسها على القطاع:
- فخ العوائد الراكدة (CapEx Trap): تتطلب شبكات الجيل الخامس والألياف الضوئية في أوروبا نفقات رأسمالية سنوية طائلة دون أي قدرة على رفع الأسعار على المستهلك النهائي، مما يحوّل شركات الاتصالات إلى مجرد “أنابيب نقل صامتة” (Dumb Pipes) تجني شركات التقنية الكبرى الأرباح على حساب بنيتها.
- القيود الجيوسياسية والتنظيمية: واجه الوجود الاستثماري الخليجي في كبرى شبكات الاتصالات الأوروبية تدقيقاً متزايداً من جهات حماية الأمن القومي الأوروبي وقوانين الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI Screening)، مما حدّ من قدرة «&e» على ممارسة نفوذ استراتيجي حقيقي داخل مجلس إدارة فودافون أو قيادة عمليات اندماج وتكامل كبرى.
- تحرير الميزانية لخفض كلفة الفائدة: تسييل هذه الاستثمارات في توقيت ترتفع فيه أسعار الفائدة العالمية سمح للمجموعة بتقليص التزاماتها التمويلية، وتأمين التوزيعات النقدية السخية للمساهمين، وبناء مدرج سيولة صلب للانقضاض على صفقات البنية السحابية.
2. الأعمدة الثلاثة للإمبراطورية الرقمية الجديدة (Beyond Telco)
بدلاً من شراء أبراج اتصالات جديدة، توجه «&e» بوصلتها الرأسمالية نحو ثلاثة قطاعات محورية ذات نمو مركب يتجاوز 20% سنوياً:
أ. مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي السيادية (Sovereign AI Infrastructure)
مع انفجار الطلب على تدريب وتشغيل النماذج اللغوية الضخمة، تحولت مراكز البيانات من مجرد خوادم تخزين تقليدية إلى “محطات توليد طاقة حوسبية” (GPU Clusters):
- تأسيس وتشغيل مراكز بيانات فائقة القدرة (Hyperscale Data Centers) بالتعاون مع عمالقة أشباه الموصلات، لتوفير الحوسبة السحابية السيادية لحكومات المنطقة التي تشترط بقاء بياناتها الوطنية وأكواد الذكاء الاصطناعي داخل حدودها الجغرافية.
- الاستفادة من وفرة الطاقة واستقرار إمدادات الكهرباء في الخليج لتشغيل مراكز التبريد السائل المتقدمة، وربطها بكابلات بحرية دولية فائقة السرعة تربط آسيا وأفريقيا بأوروبا.
ب. ذراع الحلول المؤسسية «&e المؤسسات» (Enterprise & Cloud Transformation)
تحول التركيز من المشترك الفرد (B2C) إلى الشركات والحكومات (B2B/B2G):
- تقديم حلول السحابة الهجينة (Hybrid Cloud)، وإدارة الأمن السيبراني المتقدم، وأنظمة إنترنت الأشياء (IoT) للمدن الذكية والموانئ والمصانع المؤتمتة عبر الخليج والشرق الأوسط.
- هذا القطاع يتميز بعقود توريد وإدارة طويلة الأجل تتراوح بين 5 إلى 10 سنوات وهوامش ربح تشغيلية أعلى بكثير من مبيعات خطوط الهاتف المحمول.
ج. قيادة الثورة الرقمية في الأسواق الناشئة سريعة النمو
الأسواق الناشئة في أفريقيا وجنوب آسيا (مثل مصر، وباكستان، والمغرب، ودول وسط أفريقيا) لا تزال تمتلك قاعدة ديموغرافية شابة متعطشة للخدمات المالية الرقمية (Fintech) والبنية السحابية:
- القفز فوق المراحل التقنية التقليدية وتزويد هذه الأسواق مباشرة بحلول الدفع الرقمي، والتجارة الإلكترونية، والحوسبة، مستفيدة من الحصص السوقية الكبرى لشركاتها التابعة في تلك الدول.

