في الوقت الذي تراقب فيه أعين صغار المستثمرين هوامش الفائدة وتأثيرها على قروض الأفراد والشركات، فجر «بنك الجزيرة» مفاجأة إيجابية في نتائجه المالية للربع الثالث من عام 2026؛ إذ قفز صافي دخل العمولات الخاصة من الاستثمارات بنسبة استثنائية بلغت 88.4% على أساس سنوي ليصل إلى 194.4 مليون ريال (مقارنة بـ 103.2 مليون ريال في الفترة المقابلة).
هذه الطفرة الهائلة لم تكن مجرد رقم عابر في قائمة الدخل، بل كشفت عن استراتيجية استثمارية ذكية تُعيد صياغة مفهوم “الأمان المالي” لمساهمي البنك الباحثين عن دخل سلبي مستدام وتوزيعات نقدية مستقرة.
تشريح القفزة: من أين جاءت عوائد الـ 88.4%؟
لم تتحقق هذه الزيادة القياسية بالصدفة، بل نتجت عن إعادة هيكلة استباقية لموجودات البنك الاستثمارية التي صعدت ضمن محفظة التمويل والاستثمار الإجمالية بنسبة 14.4% لتسجل 123.4 مليار ريال. ويمكن تفكيك محركات هذه القفزة إلى ثلاثة عناصر رئيسية:
- اقتناص عوائد الصكوك السيادية وشبه السيادية: استغل البنك دورات أسعار الفائدة المرتفعة لإعادة توظيف السيولة الفائضة في صكوك حكومية وأدوات دين عالية الجدارة الائتمانية، مما ضمن تدفق عوائد دورية ثابتة ومرتفعة التقت في توقيتها خلال الربع الثالث.
- نمو دخل توزيعات الأرباح ومكاسب الأدوات المالية: استفادت المحفظة من ارتفاع التوزيعات النقدية المحصلة من استثمارات البنك في الشركات وصناديق الاستثمار، بالإضافة إلى تحسن التقييم العادل للأدوات المالية المتداولة.
- إعادة توجيه السيولة بعد استرداد الصكوك: أتاح استرداد البنك لكامل صكوك الشريحة الأولى البالغة 500 مليون دولار مرونة إضافية في تخفيف أعباء التمويل القديمة وإعادة نشر رأس المال في أصول استثمارية تدر عائداً صافياً أفضل.
كيف تشكل عوائد الاستثمار شبكة أمان للتوزيعات النقدية؟
يواجه النشاط التقليدي للبنوك (الإقراض) تذبذباً حاداً في فترات تغير السياسة النقدية؛ فارتفاع تكلفة الودائع الزمنية يضغط على هوامش صافي الفائدة (Net Interest Margin)، كما أن تصاعد مخصصات الائتمان (التي ارتفعت في البنك بنسبة 22.4% بالربع الثالث لتسجل نحو 66 مليون ريال) قد يبتلع جزءاً من الأرباح التشغيلية. وهنا يأتي دور دخل الاستثمارات كـ “وسادة أمان” للأسباب التالية:
- استقلالية التدفقات: عوائد الصكوك والسندات السيادية مضمونة السداد وشبه منعدمة المخاطر الائتمانية، ما يعني أنها لا تتطلب تجنيب مخصصات ديون مشكوك في تحصيلها كما هو الحال في قروض الأفراد والشركات.
- تغطية قفزات المخصصات والمصاريف: نجحت الزيادة المحققة في بند الاستثمار وحده (نحو 91 مليون ريال كفارق إيجابي) في تغطية كامل قيمة مخصصات الائتمان الفصلية (66 مليون ريال) مع بقاء فائض صافٍ دعم الربحية الإجمالية لتصل إلى 471.6 مليون ريال بنمو 18%.
- ضمان استقرار التوزيعات النقدية (Dividend Safety): استقرار خط الأساس للأرباح القابلة للتوزيع يمنح مجلس الإدارة الثقة للحفاظ على وتيرة التوزيعات النقدية السنوية ونصف السنوية دون الحاجة إلى تقليصها عند تباطؤ الإقراض أو صعود تكلفة الأموال.

