أظهرت البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء في المملكة العربية السعودية تباطؤاً ملحوظاً في وتيرة انكماش الرقم القياسي للإنتاج الصناعي (IPI)؛ حيث تقلصت حدة التراجع السنوي ليسجل المؤشر انخفاضاً بنسبة 8.1%، مقارنة بمستويات تراجع أعمق سُجلت في الفترات السابقة وتجاوزت 16%.
وجاء هذا التحسن مدعوماً بقفزة على الأساس الشهري بلغت 10.4%، مدفوعة بارتفاع ملموس في الأداء التشغيلي لنشاط التعدين واستغلال المحاجر الذي نما بنحو 19% شهرياً، إلى جانب صعود المؤشر الفرعي للصناعات التحويلية بنسبة 1.3%، بقيادة أنشطة فحم الكوك والمنتجات النفطية المكررة التي قفزت بمعدل 6.5%.
السياق التاريخي ومسار التكيف مع قرارات “أوبك+”
يعود التراجع السنوي المحدود في مؤشر الإنتاج الصناعي السعودي بصورة أساسية إلى مسار التخفيضات الطوعية لإنتاج النفط الخام التي تبنتها المملكة بالتعاون مع تحالف “أوبك+” لدعم توازن الأسواق العالمية واستقرارها، والتي انعكست تاريخياً على الأنشطة النفطية التي تستحوذ وحدها على نحو 75% من الوزن النسبي للمؤشر الصناعي العام.
إلا أن البيانات الأخيرة تُظهر قدرة الاقتصاد الصناعي على التكيف وامتصاص صدمات تقلب الإنتاج الهيدروكربوني؛ حيث تقلص انكماش المؤشر النفطي السنوي إلى 11.4% (مقارنة بـ 23.5% سابقاً)، في حين حافظت الأنشطة غير النفطية على استقرار نسبي بتراجع طفيف لم يتجاوز 0.3%، مما يعكس مرونة المحفظة الإنتاجية الوطنية.
التحليل الاقتصادي في ضوء “رؤية السعودية 2030”
يمثل تباطؤ انكماش الإنتاج الصناعي وانتعاش الصناعات التحويلية دلالة استراتيجية على نجاح مستهدفات “رؤية السعودية 2030” والاستراتيجية الوطنية للصناعة، اللتين تسعيان إلى عزل مسار النمو الاقتصادي عن دورات أسواق الطاقة التقليدية ومضاعفة الناتج المحلي الصناعي غير النفطي.
إن صعود قطاع تكرير المنتجات النفطية وصنع فحم الكوك، إلى جانب متانة أنشطة التصنيع ذات القيمة المضافة، يبرهن على نجاح سياسات تمكين التوطين الصناعي وتحفيز المدن الصناعية، ويؤكد أن مساهمة القطاعات البديلة تتجه تدريجياً لتعويض القيود الإنتاجية المفروضة على النفط الخام.

