في عالم تتسابق فيه الدول الكبرى لاحتكار تقنيات المستقبل، لم تكتفِ المملكة العربية السعودية بدور “المستهلك” للتكنولوجيا، بل قررت حجز مقعدها في الصفوف الأمامية كـ “مُصدّر” عالمي للقدرات الحوسبية. وفي قلب هذا التحول التاريخي، تبرز قصة نجاح شركة “هيوماين” (Humain) كواحدة من أهم الكيانات الوطنية الصاعدة، والتي تجسد طموحات صندوق الاستثمارات العامة لبناء اقتصاد معرفي مستدام لا يعتمد على النفط.
بنية تحتية مليارية لتمكين المستقبل
لم تبدأ قصة “هيوماين” من فراغ، بل انطلقت من تأسيس قاعدة صلبة وموثوقة. فالشركة تدرك أن السباق في عالم الذكاء الاصطناعي يتطلب موارد هائلة، وهو ما دفعها لإبرام شراكات استراتيجية مع عمالقة الصناعة مثل “بلاكستون” ومشغل مراكز البيانات “إير ترنك”.
وتهدف هذه التحالفات إلى تطوير بنية تحتية ضخمة لمراكز البيانات في السعودية باستثمار أولي يقارب 3 مليارات دولار، لتوفير موارد الحوسبة اللازمة لتدريب وتشغيل النماذج الذكية على نطاق عالمي، مستفيدة من وفرة الطاقة والبنية التحتية المتطورة في المملكة.
“هيوماين تشات”.. استقلال لغوي وسيادة تقنية
في الوقت الذي هيمنت فيه النماذج اللغوية الغربية على الساحة، أخذت “هيوماين” على عاتقها مسؤولية حماية وتطوير الهوية اللغوية الرقمية. وجاء تطويرها لنموذج “هيوماين تشات” (Humain Chat) كخطوة مفصلية نحو إرساء ما يُعرف بـ “الذكاء الاصطناعي السيادي”.
هذا النموذج اللغوي الكبير لا يدعم اللغة العربية فحسب، بل يستوعب لهجاتها المتعددة، مما يجعله أداة استراتيجية للمؤسسات الحكومية والخاصة التي تبحث عن تقنيات ذكية آمنة ومصممة خصيصاً لفهم السياق الثقافي والمحلي بدقة متناهية.
طموحات تعانق أسواق المال العالمية
تتجاوز رؤية الإدارة التنفيذية لـ “هيوماين”، بقيادة طارق أمين، حدود المنطقة الإقليمية. فالابتكارات المستمرة للشركة، والتي توجت بالاستعداد لإطلاق حاسوب شخصي ثوري يعتمد على “وكلاء الذكاء الاصطناعي” بالتعاون مع “كوالكوم”، تمهد الطريق لخطوة مالية وتوسعية كبرى.
تضع الشركة نصب عينيها هدفاً استراتيجياً يتمثل في دراسة الوصول إلى أسواق رأس المال الدولية. وتتجه الأنظار نحو إدراج مزدوج محتمل في السوق المالية السعودية (تداول) وبورصة نيويورك (وول ستريت) خلال السنوات الثلاث إلى الأربع المقبلة، لتتوج “هيوماين” مسيرتها كقصة نجاح سعودية انطلقت من الرياض لتنافس عمالقة التكنولوجيا في عقر دارهم.

