سجلت التمويلات المصرفية الموجهة للقطاع العقاري التجاري في المملكة العربية السعودية مستويات قياسية غير مسبوقة خلال النصف الأول من عام 2026، مدفوعة بالطلب المتنامي على الأبراج المكتبية والمجمعات اللوجستية ومساحات العمل المشتركة.
ووفقاً للتقارير الدورية الصادرة عن البنك المركزي السعودي (ساما) والمصارف المحلية، شهدت القروض العقارية الممنوحة للشركات والمطورين نمواً ملحوظاً، حيث قادت البنوك الكبرى—وفي مقدمتها بنك الرياض والبنك الأهلي السعودي ومصرف الراجحي—الحراك التمويلي عبر تقديم تسهيلات ائتمانية متوافقة مع الشريعة الإسلامية بآجال سداد مرنة تصل إلى عشر سنوات.
وقد تركزت هذه التمويلات الضخمة بشكل أساسي في العاصمة الرياض، تليها محافظة جدة والمنطقة الشرقية، لمواكبة رغبة الشركات العقارية المدرجة والمؤسسات الاستثمارية في الاستحواذ على الأصول العقارية المدرة للدخل وتوسيع محافظها الاستثمارية في النطاقات الحيوية الواعدة.
التحليل الاقتصادي والربط بمستهدفات رؤية السعودية 2030 يعكس هذا التدفق التمويلي الضخم من القطاع المصرفي نحو العقارات التجارية التطور المتسارع في هيكل الاقتصاد السعودي، ويصب مباشرة في تحقيق مستهدفات “رؤية السعودية 2030” وبرنامج تطوير القطاع المالي.
تسعى المملكة جاهدة إلى تحويل الرياض إلى مركز اقتصادي وإقليمي عالمي من خلال “برنامج جذب المقرات الإقليمية للشركات العالمية”، والذي نجح في استقطاب مئات الشركات الكبرى.
هذا الحراك ولد طلباً هائلاً على المساحات المكتبية من الفئة الممتازة (Class A)، مما جعل البنوك تبدي مرونة عالية وتوسعاً في منح التسهيلات الائتمانية بغرض تمويل هذه المشاريع، مستفيدة من وفرة السيولة النقدية ونمو الودائع لديها، وهو ما يسهم في رفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي.
السياق التاريخي لسياسات التمويل والملاءة المصرفية بالعودة إلى نمط التمويل العقاري التاريخي في المملكة، فقد كان التركيز لسنوات طويلة ينصب بشكل أكبر على التمويل العقاري السكني للأفراد لدعم مستهدفات رفع نسبة تملك المواطنين للمساكن.
ومع ذلك، وبحلول عام 2024 والربع الأول من عام 2025، بدأ السوق يشهد تحولاً تدريجياً نحو العقار التجاري والإداري نتيجة تشبع السوق السكني جزئياً وظهور فجوة في المعروض المكتبي الفاخر.
هذا التحول التاريخي حظي بدعم كبير من التدابير والسياسات النقدية الحصيفة التي اتبعها البنك المركزي السعودي (ساما)، والتي ضمنت ملاءة مالية قوية للمصارف وشبكات أمان وقائية سمحت لها بضخ مئات الملايين في صفقات تمويلية عقارية كبرى (مثل صفقة تمويل شركة بننان العقارية مؤخراً) دون التعرض لمخاطر ائتمانية مرتفعة.


