تشهد الأسواق المالية الحالية مستويات مرتفعة لأسعار الفائدة، الأمر الذي دفع بعوائد أدوات الدخل الثابت مثل الصكوك والودائع البنكية لبلوغ مستويات قياسية تقارب 5.5%، مترافقة بمخاطر استثمارية متدنية للغاية.
في ظل هذا المشهد، برزت أهمية عائد التوزيع النقدي للشركات المدرجة في سوق الأسهم السعودية الرئيسية “تاسي”. وتواجه هذه الشركات تحدياً حقيقياً يتمثل في ضرورة منح مساهميها عوائد أعلى تفوق عوائد الصكوك والودائع، وذلك لتعويضهم عن المخاطر الأعلى المرتبطة بالاستثمار في أسواق الأسهم مقارنة بأدوات الدخل الثابت في البيئة الاقتصادية الراهنة.
رصد أداء الشركات وصناديق “الريت”
وفقاً لأحدث التحليلات المالية الصادرة عن وحدة التحليل المالي في “الاقتصادية”، فقد نجحت 19 شركة مدرجة بالإضافة إلى 14 صندوقاً عقارياً متداولاً (REITs) في منح مساهميها عائد توزيع نقدي يتجاوز 6% عن فترة الـ 12 شهراً الماضية.
وأظهرت البيانات أن هناك 8 شركات مدرجة استطاعت تقديم عوائد استثنائية تجاوزت 7%، بل إن 3 شركات منها تخطت حاجز الـ 10% كعائد توزيع نقدي. وفي المقابل، سجلت الشركات القيادية العشر الأكبر وزناً في مؤشر “تاسي” عوائد تراوحت ما بين 2.5% و5.8%.
وعلى صعيد القطاعات، فرض قطاع الأسمنت نفسه بقوة مستحوذاً على ثلث القائمة بواقع 6 شركات، وجاء هذا التميز تزامناً مع تراجع أسعار أسهم القطاع مما رفع من الجدوى الاستثمارية لعوائدها النقدية.
أما على مستوى الصناديق العقارية المتداولة “الريت”، فقد تصدرت 7 صناديق المشهد بعوائد تخطت الـ 7% وهي: (بنيان ريت، الإنماء ريت الفندقي، المعذر ريت، الخبير ريت، الإنماء ريت لقطاع التجزئة، جدوى ريت السعودية، وملكية عقارات الخليج ريت).
بينما تراوحت عوائد 7 صناديق أخرى بين 6% و7% ومن أبرزها سدكو كابيتال ريت، دراية ريت، والأهلي ريت 1، وتأتي هذه التوزيعات المرتفعة للصناديق نظراً لإلزامها النظامي بتوزيع ما لا يقل عن 90% من صافي أرباحها التشغيلية الناتجة عن تأجير العقارات، على الرغم من الضغوط التمويلية التي واجهتها جراء الفائدة المرتفعة.
السياق التاريخي والتحول الاقتصادي
تاريخياً، كانت أسواق الأسهم الخليجية وخاصة السعودية تعتمد بشكل أساسي على نمو القيمة السوقية الرأسمالية لجذب المستثمرين، ومع التطورات الهيكلية الأخيرة في البيئة التنظيمية والمالية، تحول اهتمام شريحة واسعة من المستثمرين نحو “أسهم العوائد” كأداة تحوطية ضد التضخم وتقلبات الأسواق العنيفة.
إن قدرة الشركات السعودية اليوم على الحفاظ على مستويات توزيع قوية تعكس عمق ومتانة الملاءة المالية التي تتمتع بها الشركات الوطنية وقدرتها على توليد التدفقات النقدية حتى في أصعب الظروف الاقتصادية العالمية.

