شهدت أسواق النفط العالمية أسبوعاً “دراماتيكياً” أعاد للأذهان تقلبات عام 1983، حيث سجلت أسعار الخام الأمريكي (WTI) قفزة تاريخية تجاوزت 35% في غضون سبعة أيام فقط. يأتي هذا الارتفاع الجنوني مدفوعاً بتصاعد الصراع العسكري في الشرق الأوسط والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، مما أدى إلى حجب نحو 140 مليون برميل من النفط عن السوق العالمي في أسبوع واحد، وهو ما يعادل استهلاك العالم ليوم ونصف تقريباً.
أرقام قياسية: WTI يتفوق على برنت
عند تسوية جلسة الجمعة، قفزت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط بنسبة 12.21% لتصل إلى 90.90 دولار للبرميل. وللمرة الثانية على التوالي، تفوقت مكاسب الخام الأمريكي على خام برنت الذي صعد هو الآخر بنسبة 8.52% ليصل إلى 92.69 دولار. هذا التباين يعكس تهافت المصافي العالمية على تأمين البراميل المتاحة خارج منطقة الصراع، حيث تعد الولايات المتحدة حالياً المصدر البديل الأكثر أماناً، رغم الضغوط التي تواجهها المخزونات في واشنطن.
السياق التاريخي: شبح الـ 150 دولاراً ومقارنة الجائحة
تعد هذه المكاسب الأسبوعية هي الأكبر منذ تذبذبات جائحة كوفيد-19 في ربيع 2020، ولكن بدوافع مختلفة تماماً. في 2020 كان السبب انهيار الطلب، أما اليوم فالسبب هو “تبخر” المعروض. تاريخياً، لم يشهد الخام الأمريكي وتيرة صعود بهذا العنف منذ بدء تداوله قبل أكثر من 4 عقود. وحذر وزير الطاقة القطري من أن استمرار توقف التصدير من دول الخليج قد يدفع الأسعار ملامسة سقف 150 دولاراً للبرميل خلال أسابيع، وهو رقم سيضع الاقتصاد العالمي أمام تحدٍ تضخمي غير مسبوق.
التحليل الاقتصادي: بين “رؤية 2030” والتوازنات الدولية
اقتصادياً، هذا الارتفاع يمثل سيفاً ذو حدين لدول المنطقة؛ فبينما تزداد القيمة السوقية للبرميل، فإن تعطل سلاسل الإمداد عبر مضيق هرمز (الذي يمر عبره 20% من الطلب العالمي) يعيق وصول هذه الثروات للأسواق. بالنسبة للمملكة العربية السعودية ورؤية 2030، فإن مثل هذه الأزمات تسرع من وتيرة الاستثمار في “الخطوط البديلة” (مثل خط أنابيب شرق-غرب) وتعزز من مكانة المملكة كلاعب لوجستي قادر على المناورة حتى في أشد الظروف.
على الصعيد السياسي، أثار موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دهشة المحللين، حيث أبدى عدم قلقه من ارتفاع أسعار البنزين محلياً، معتبراً العمليات العسكرية أولوية قصوى. وفي حركة موازية، منحت وزارة الخزانة الأمريكية إعفاءات لشركاء مثل الهند لشراء النفط الروسي، في محاولة لتهدئة العطش العالمي للطاقة دون التراجع عن الموقف العسكري.
التوقعات المستقبلية: هل ننتظر الانفراجة؟
يرى المحللون أن كل يوم يظل فيه مضيق هرمز مغلقاً، ستستمر الأسعار في رحلة الصعود. السوق الآن يترقب أي إشارة “تهدئة” من واشنطن أو طهران، لكن مع غياب هذه الإشارات، تظل احتمالية وصول النفط إلى مستويات قياسية (فوق 120 دولاراً) واردة جداً قبل نهاية الشهر الجاري، مما سيجبر المصانع الكبرى في أوروبا وآسيا على خفض الإنتاج بسبب تكاليف الطاقة.

