شهد الاقتصاد السعودي غير النفطي تحولاً دراماتيكياً في مارس 2026، حيث سجل انكماشاً هو الأول من نوعه منذ أغسطس 2020. وتأتي هذه التطورات مدفوعة بشكل مباشر بتداعيات الحرب الإقليمية وتصاعد التوترات مع إيران، مما أدى إلى ارتباك حاد في خطوط الإمداد العالمية وتأثر حركة التجارة في الممرات الحيوية.
ورغم قتامة الأرقام، إلا أن بنية الاقتصاد السعودي لا تزال تبدي مرونة لافتة في مواجهة العواصف الجيوسياسية.
مؤشر مديري المشتريات: كسر حاجز الـ 50 نقطة
وفقاً لأحدث قراءة لمؤشر مديري المشتريات (PMI) الصادر عن بنك الرياض، تراجع المؤشر من 56.1 نقطة في فبراير إلى 48.8 نقطة في مارس.
وهذا الهبوط دون مستوى الـ 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش يعد ثاني أكبر انخفاض في تاريخ الدراسة منذ عام 2009.
ويعزى هذا التراجع إلى تباطؤ طلبات التصدير الجديدة بأسرع وتيرة منذ 6 سنوات، وانخفاض ثقة المستهلك المحلي، مما دفع الشركات إلى تقليص وتيرة الإنتاج لمواجهة الفائض المحتمل.
أزمة مضيق هرمز واختناق سلاسل التوريد
تعد الضغوط اللوجستية المحرك الأساسي لهذا الانكماش؛ حيث أدى تراجع حركة الشحن عبر مضيق هرمز إلى ارتفاع جنوني في تكاليف التأمين وتأخيرات الشحن.
وتبرز الحساسية الاقتصادية لهذا الممر في كون دول الخليج تستورد ما قيمته 10 مليارات دولار سنوياً من السلع الغذائية والأساسية عبره.
هذا الاضطراب لم يؤثر فقط على وصول السلع، بل أدى إلى “تراكم ضخم للأعمال” غير المنجزة، وهو ما يشير إلى أن الطلب لا يزال قائماً لكن العوائق اللوجستية هي التي تمنع تلبيته.
التحليل الاقتصادي و”رؤية 2030″
في سياق رؤية السعودية 2030، يمثل هذا الانكماش اختباراً حقيقياً لمستهدفات التنويع الاقتصادي. السعودية اليوم تتحرك كمركز لوجستي عالمي، حيث فعلت فوراً شبكة متكاملة من خطوط الأنابيب والسكك الحديدية والنقل البري لتعويض تعطل الملاحة البحرية.
ويرى المحللون أن هذا الانكماش هو “تصحيح مؤقت” ناتج عن حالة عدم اليقين، وليس ضعفاً في الهيكل الاقتصادي، خاصة وأن برامج الإنفاق الحكومي الضخمة وتطوير البنية التحتية لا تزال تشكل صمام أمان للنمو طويل الأجل.
سوق العمل والتوقعات المستقبلية
على الرغم من تراجع النشاط، استمر قطاع التوظيف في التوسع، وإن كان بمعدل أبطأ، هذا المؤشر يعكس ثقة الشركات في أن الأزمة قصيرة الأمد، حيث تفضل الحفاظ على كوادرها البشرية استعداداً لمرحلة التعافي.
ومن المتوقع أن تشهد الشهور القادمة تحسناً تدريجياً مع استقرار المسارات اللوجستية البديلة وتكيف القطاع الخاص مع تكاليف النقل الجديدة، مدعوماً بتباطؤ تضخم الأجور الذي سجل أدنى مستوياته منذ عام.

