يعتزم بنك الاستثمار الأمريكي العملاق “مورغان ستانلي” الانضمام إلى موجة تقليص العمالة التي تجتاح القطاع المالي في الولايات المتحدة، عبر خطة لتسريح حوالي 2500 موظف، ما يعادل 3% من إجمالي قوته العاملة. تأتي هذه الخطوة في وقت تعيد فيه كبرى المؤسسات المالية هيكلة عملياتها التشغيلية، مستهدفة بشكل رئيسي أدوار الدعم والمكاتب الخلفية في أقسام حيوية مثل “إدارة الثروات”، مع الإبقاء على المستشارين الماليين الأساسيين لضمان استمرار تدفق الإيرادات.
السياق التاريخي: فقاعة التوظيف إبان جائحة كورونا
لم تأتِ هذه التسريحات من فراغ، بل هي “تصحيح مسار” لفقاعة توظيف غير مسبوقة شهدها القطاع المالي. وكما هو الحال في كبرى البنوك، توسع “مورغان ستانلي” بشراهة خلال جائحة كوفيد-19 في عام 2020 للتعامل مع طفرة التداول الرقمي وحزم التحفيز؛ ليرتفع عدد موظفيه من 60 ألفاً في 2019 إلى 82 ألفاً في أواخر 2022، وصولاً إلى 83 ألف موظف بنهاية عام 2025. اليوم، ومع استقرار الأسواق وتغير المعادلات الاقتصادية، وجدت بنوك “وول ستريت” نفسها مثقلة بعمالة زائدة لم تعد الحاجة إليها قائمة بنفس الزخم.
التحليل الاقتصادي: الذكاء الاصطناعي يغير قواعد اللعبة ورؤية 2030
لم يكن “مورغان ستانلي” وحيداً في هذا المضمار؛ فقد سبقته مؤسسات ضخمة مثل “سيتي غروب” و”بلاك روك”. لكن التصريح الأبرز جاء من جاك دورسي، مؤسس شركة “بلوك” للتكنولوجيا المالية (التي سرحت 40% من موظفيها)، والذي أرجع السبب بصراحة إلى “تحسن الإنتاجية بفضل الذكاء الاصطناعي”.
هذا التحول الجذري يتقاطع بشكل مباشر مع المستهدفات الإستراتيجية في رؤية السعودية 2030 ورؤية عُمان 2040، التي تركز على التحول الرقمي وأتمتة الخدمات المالية. فبينما تفقد العمالة التقليدية والمتوسطة الدخل وظائفها في الغرب لصالح الخوارزميات، تتجه الأسواق الخليجية الناشئة والمراكز المالية في الرياض ودبي إلى استقطاب “العقول التقنية” والمواهب القادرة على إدارة هذه التقنيات، مما يجعل المنطقة واحة جاذبة للكفاءات التي تتسرب حالياً من وول ستريت.
التوقعات المستقبلية: هل نشهد نهاية “الموظف التقليدي” في البنوك؟
خلال الشهور القادمة، من المتوقع أن تتسارع وتيرة تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في المؤسسات المصرفية، مما سيؤدي إلى المزيد من شطب الوظائف الروتينية والمتوسطة. هذا التوجه سيجبر المهنيين في القطاع المالي على إعادة تأهيل أنفسهم (Upskilling) نحو مجالات تحليل البيانات والبرمجة المالية. وفي المقابل، سترتفع هوامش أرباح البنوك نتيجة خفض التكاليف التشغيلية (الرواتب)، ما سينعكس إيجاباً على أسهم قطاع البنوك والتكنولوجيا المالية عالمياً.

