في تصعيد دراماتيكي للمشهد الاقتصادي العالمي، أطلق بنك “غولدمان ساكس” تحذيراً شديد اللهجة للأسواق، متوقعاً أن تقفز أسعار النفط لتتجاوز حاجز الـ 100 دولار للبرميل خلال الأسبوع المقبل، ما لم تلوح في الأفق بوادر إنفراجة سريعة للأزمة الخانقة التي شلت حركة الملاحة في مضيق هرمز. وتأتي هذه التوقعات لتقلب الموازين، حيث تتزايد المخاطر الصعودية بوتيرة أسرع بكثير مما كانت تشير إليه التقديرات الأساسية للبنك.
انهيار التدفقات بنسبة 90% وصدمة التوقعات السعرية
أشار “غولدمان ساكس” إلى نيته إعادة تقييم توقعاته السعرية جذرياً وبشكل عاجل، إذا لم تُستأنف تدفقات الخام عبر مضيق هرمز تدريجياً خلال الأيام القليلة القادمة. كانت التوقعات السابقة للبنك تستقر عند 80 دولاراً لخام برنت في مارس و70 دولاراً في الربع الثاني، إلا أن انهيار متوسط التدفقات اليومية عبر المضيق بنسبة صادمة بلغت 90% جعل هذه الأرقام ضرباً من الماضي. وتتجه أسعار النفط الخام حالياً لتسجيل أقوى مكاسب أسبوعية لها منذ التقلبات العنيفة التي صاحبت جائحة كوفيد-19 في ربيع عام 2020.
السياق التاريخي: شبح أزمات 2008 و2022 يلوح في الأفق
حذر البنك من أن استمرار تعطل الإمدادات طوال شهر مارس قد يدفع أسعار النفط، وتحديداً المنتجات المكررة، لاختراق مستويات الذروة التاريخية التي سجلتها الأسواق إبان الأزمة المالية العالمية في 2008، وأزمة اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022. هذا الشلل اللوجستي يتجاوز كونه مجرد نقص في المعروض، بل هو تكرار لأعنف الصدمات النفطية التي اختبرت مرونة الاقتصاد العالمي تاريخياً، مما يضع المستوردين الآسيويين والأوروبيين في مأزق حقيقي.
التحليل الاقتصادي: توازنات “رؤية 2030” وسط العاصفة الجيوسياسية
اقتصادياً، يمثل وصول البرميل إلى 100 دولار أو حتى 120 دولاراً (كما توقع بنك باركليز) سلاحاً ذا حدين لدول الخليج. فمن جهة، يعزز هذا الارتفاع من إيرادات الصناديق السيادية الخليجية، مما يضخ سيولة ضخمة لدعم المشاريع العملاقة ضمن “رؤية السعودية 2030″ و”رؤية عُمان 2040”. ولكن التحدي يكمن في إيصال هذا النفط للأسواق. هنا تتجلى العبقرية الاستراتيجية في مشاريع البنية التحتية البديلة، مثل خط الأنابيب (شرق-غرب) وموانئ البحر الأحمر، التي تحمي الاقتصادات الخليجية من أن تكون رهينة لمضيق واحد، وتحافظ على موثوقيتها كصمام أمان للطاقة العالمية.
التوقعات المستقبلية: تعقيدات سياسية تنذر بصيف لاهب
يبدو أن الحل السريع أصبح معقداً؛ فمع تصعيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومطالبته إيران بـ “الاستسلام غير المشروط”، ورد الحرس الثوري الإيراني بتحدي نشر السفن الحربية الأمريكية لمرافقة الناقلات، فإن “علاوة المخاطر الجيوسياسية” ستظل مسيطرة على تسعير البرميل. إذا استمر هذا التعنت لأسابيع أخرى، فإن الأسواق العالمية ستواجه موجة تضخمية عاتية قد تجبر البنوك المركزية على تأجيل أي خطط لخفض أسعار الفائدة، مما سيضغط بقوة على تكاليف التمويل ونمو القطاعات غير النفطية عالمياً.

