ينظر غالبية المتداولين في أسواق المال إلى شركات التأمين من منظور ضيق يقتصر على حجم أقساط الاكتتاب المكتتبة (Gross Written Premiums) والتعويضات المدفوعة للمطالبات.
غير أن المستثمر المتمرس يدرك أن جوهر ربحية هذا القطاع لا يُحسم فقط في غرف الاكتتاب، بل داخل لجان الاستثمار وإدارة الأصول. إن النموذج المالي لشركات التأمين يقوم على حيازة ما يُعرف بـ «أموال السيولة العائمة» (Float)؛ وهي تلك المليارات المتراكمة من أقساط العملاء المدفوعة مقدماً قبل سداد أي تعويضات مستقبلية.
إن قدرة الشركة على تحويل هذه السيولة الضخمة إلى دخل استثماري متنامٍ تمثل الفارق الجوهري بين كيانات تحقق قفزات ربحية استثنائية—كما عكسته نتائج «ليفا للتأمين» مؤخراً بنمو صافي دخل الاستثمار بـ 43.1%—وبين شركات أخرى تغرق في التعثر تحت وطأة التضخم وارتفاع تكاليف المطالبات.
السياق التاريخي لدورات الاستثمار التأميني في الخليج
تاريخياً، عاش قطاع التأمين في منطقة الخليج لسنوات طويلة تحت وطأة المنافسة السعرية الشرسة وحرق الأسعار لاقتناص الحصص السوقية، مما جعل الهوامش الفنية للخدمات التأمينية هامشية أو خاسرة في كثير من الأحيان.
وخلال تلك الفترات، كانت الشركات التي تنجو وتوزع أرباحاً نقدية هي فقط تلك التي تمتلك محافظ استثمارية حصيفة وموزعة بعناية. ومع تطبيق المعيار المحاسبي الدولي (IFRS 17) وتشديد المتطلبات النظامية لهيئات التأمين والبنوك المركزية الخليجية، فُرض على الشركات فصل نتائج خدمات التأمين التشغيلية عن نتائج دخل الاستثمار بدقة، مما كشف بوضوح أن عوائد الأصول الاستثمارية هي صمام الأمان الوحيد لامتصاص تقلبات التعويضات الكبرى وحماية حقوق المساهمين.
تشريح المحفظة الاستثمارية: أين تذهب أموال حملة الوثائق؟
تلتزم شركات التأمين بضوابط استثمارية صارمة لحماية أموال المؤمن لهم، وتتوزع محافظ الشركات الرابحة وفق هيكل ثلاثي متوازن:
- أدوات الدخل الثابت والصكوك السيادية: تمثل حجر الزاوية للمحفظة بنسب تتراوح بين 50% إلى 70%، مستفيدة من بيئة أسعار الفائدة المرتفعة لتحقيق عوائد سنوية مضمونة خالية من المخاطر تقريباً تسهم في تغطية المصاريف التمويلية.
- الودائع المصرفية لأجل والمرابحات: تضمن توفير سيولة نقدية فورية عالية الجودة لمواجهة مطالبات التأمين الطارئة وسداد التزامات إعادة التأمين دون الحاجة إلى تسييل الأصول بخسائر رأسمالية.
- الأسهم الاستراتيجية والصناديق العقارية المدرّة للدخل: تخصص الشركات الرابحة نسبة محسوبة بدقة (بين 10% إلى 20%) لأسهم القيمة والصناديق العقارية (REITs) لاقتناص نمو رأسمالي وتوزيعات نقدية تفوق معدلات التضخم السائدة.

