أسدل الستار على الجزء الأكبر من موسم إفصاحات الربع الثالث لعام 2026 في السوق المالية السعودية الرئيسية («تاسي»)، كاشفاً عن تحول جذري في معايير تسعير الأسهم.
لم يعد الزخم العام للسيولة كافياً لدفع السوق صعوداً ككتلة واحدة؛ بل أفرزت القوائم المالية فاصلاً حاداً بين الشركات القادرة على تمرير التكاليف وحماية هوامشها التشغيلية، وتلك التي تآكلت أرباحها تحت وطأة ثلاثة متغيرات هيكلية متزامنة: تحرير أسعار الوقود واللقيم الصناعي، وبلوغ هوامش الفائدة المصرفية ذروتها، وتقلبات أسعار المعادن والسلع الأساسية عالمياً.
تزامن هذا التباين مع حركة تصحيحية صحية للمؤشر العام؛ فبعد اختراق حاجز الـ 10,000 نقطة وتسجيل مكاسب أسبوعية بنسبة 2.4%، تراجع المؤشر بنسبة 1% ليغلق عند 9922 نقطة تحت ضغط جني الأرباح وإعادة تموضع الصناديق المؤسسية بناءً على الأداء التشغيلي الفعلي لا التوقعات النظرية.
1. محور الطاقة واللقيم: اختبار الكفاءة الحرارية في الصناعات الثقيلة
شكل التعديل المتدرج لأسعار منتجات الوقود المعتمدة من أرامكو للقطاع الصناعي منذ مطلع العام الجاري حجر الزاوية في نتائج شركات المواد الأساسية ومواد البناء:
- معسكر المتأثرين (انكماش الهوامش): ظهر الأثر جلياً في قطاع الأسمنت؛ حيث أعلنت «أسمنت القصيم» عن تراجع مجمل ربحها الفصلي بنسبة 31.5% وهبوط صافي أرباحها بنسبة 10.1% إلى 37.2 مليون ريال، متأثرة بارتفاع تكلفة الطاقة للطن بالتوازي مع تباطؤ سحب الكميات صيفاً. وتكرر المشهد لدى شركات التصنيع التي تفتقر لمرونة تسعيرية فورية.
- معسكر المتكيفين (استعادة الهوامش): على النقيض، برهنت «الخزف السعودي» على أن الكفاءة التشغيلية تستطيع تحييد صدمة الطاقة؛ حيث قفزت أرباحها الفصلية بنسبة 344.6% إلى 28.75 مليون ريال بفضل رفع كفاءة خطوط الإنتاج والوصول بهامش مجمل الربح إلى 32% (مقابل 28.4% للعام السابق). كما قفز سهم «المجموعة السعودية» بنسبة 5% بعد إعلان أرباح فصلية بلغت 90 مليون ريال بدعم من تحسن كفاءة التشغيل ومستويات الأسعار في البتروكيماويات.
2. محور الفائدة وهوامش البنوك: من “قفزة الإيرادات” إلى “هضبة الربح”
دخل القطاع المصرفي مرحلة النضج في دورة التشديد النقدي الحالية؛ حيث لم تعد الفائدة المرتفعة مصدر نمو تلقائي للأرباح الصافية:
- معضلة كلفة الودائع (CASA Erosion): أدى انتقال العملاء من الحسابات الجارية المجانية إلى الودائع لأجل وحسابات الاستثمار إلى تصاعد تكلفة التمويل على البنوك، مما وضع ضغطاً مباشراً على صافي هامش الفائدة والتمويل (NIM).
- أداء القياديات: عكس تراجع سهمي «البنك الأهلي السعودي» (-2%) و«مصرف الراجحي» (-1.1%) في الجلسة الأخيرة استراحة تداول بعد موجة مكاسب سابقة، مع إدراك السوق أن نمو الأرباح المصرفية تحول من المسار الصاروخي (+20%) إلى مسار أفقي مستقر (+3% إلى +6%) يتطلب إدارة صارمة للمصاريف التشغيلية وجودة المحفظة الائتمانية.
3. محور المعادن والسلع: قوة التسعير تقابل اختناق رأس المال العامل
كشفت شركات قطاع السلع الرأسمالية والتعدين عن التناقض الصارخ الذي تصنعه الملاءة المالية في بيئة أسعار النحاس والذهب المرتفعة:
- الرابحون بقوة التسعير (كابلات الرياض): حققت الشركة نمواً في صافي الأرباح بنسبة 15.5% إلى 325.1 مليون ريال واقتربت أرباح 9 أشهر من المليار ريال (913.9 مليون ريال)؛ بفضل اعتماد عقود توريد مرنة تمرر صعود النحاس والألمنيوم للعميل مباشرة دون المساس بهامش الربح.
- الخاسرون بأزمة السيولة (الكابلات السعودية): على الطرف الآخر، هبطت أرباح الشركة بنسبة 50.3% وتراجعت إيراداتها إلى 20 مليون ريال فقط؛ بسبب شح السيولة وعجز رأس المال العامل البالغ 671.4 مليون ريال، ما منعها من شراء المواد الخام والاستفادة من طفرة البنية التحتية، لتعود رسمياً إلى مسار التنظيم المالي القضائي.
- تحدي حجم الإنتاج (أماك للتعدين): تراجعت أرباح الشركة بنسبة 26.8% إلى 59.5 مليون ريال رغم ارتفاع الإيرادات وأسعار المعادن؛ بضغط من انخفاض كميات مبيعات الذهب وتصاعد المصاريف التشغيلية، ما دفعها للحصول على موافقة لزيادة رأس مالها بقيمة 680 مليون ريال لتكثيف الاستكشاف.

