في أدبيات أسواق المال الكلاسيكية، ظلت بورصات الأسهم لعقود طويلة رهينة “مزاج المتعاملين”؛ ترتفع أرباحها بازدهار التداولات الصاعدة، وتتهاوى مداخيلها فور دخول الأسواق في دورات الركود أو موجات الحذر وشح السيولة.
لكن «مجموعة تداول السعودية القابضة» (1111) أدركت مبكراً أن الاعتماد المنفرد على عمولات التداول (Trading Commissions) هو نقطة ضعف هيكلية تجعل أداء الشركة عُرضة لتقلبات السوق اللحظية.
ومن هنا انطلقت واحدة من أكثر قصص التحول المؤسسي إلهاماً في القطاع المالي الإقليمي: إعادة هيكلة البورصة وتحويلها من مجرد صالة تداول أسهم محلية إلى «مجمع بنية تحتية مالية متكامل» (Integrated Financial Market Infrastructure) يستند إلى أربع شركات تابعة ومستقلة تعمل بتناغم كشبكة متماسكة.
البداية: تفكيك النموذج القديم قبل الإدراج التاريخي
قبل الإدراج في السوق الرئيسية أواخر عام 2021، اتخذت إدارة السوق قراراً استراتيجياً بإعادة تشكيل الكيان المؤسسي وتأسيس شركة قابضة تنضوي تحتها شركات متخصصة. كان الهدف واضحاً ومحدداً:
- فصل الوظائف الرقابية والتنفيذية: عزل أنشطة التداول عن التسوية والحفظ والمقاصة لتطبيق أعلى المعايير الدولية للحوكمة (CPMI-IOSCO).
- خلق خطوط إيرادات متكررة ومستدامة (Recurring Non-Trading Revenues): تحويل الأنشطة المصاحبة لأسواق المال من مراكز تكلفة إلى شركات رابحة تتقاضى رسوماً مقابل خدمات البنية التحتية والتقنية والبيانات.
الأذرع الاستراتيجية: أعمدة المجمع المالي الحديث
1. «إيداع» (مركز إيداع الأوراق المالية Edaa): حارس الملكية وسجلات الشركات
لم يعد حفظ الأسهم مجرد إجراء روتيني؛ حيث تتولى «إيداع» إدارة وحفظ سجلات مساهمي كافة الشركات المدرجة وغير المدرجة، وتنفيذ عمليات الإدراج، وتوزيع الأرباح النقدية آلياً، وتسجيل الصفقات الخاصة وأسهم الخزينة. هذه الخدمات تدر إيرادات دورية مستقرة تدفعها الشركات سنوياً، وهي تدفقات نقدية غير مرتبطة نهائياً بارتفاع أو انخفاض أحجام التداول اليومية.
2. «مقاصة» (مركز مقاصة الأوراق المالية Muqassa): إدارة المخاطر وتوسيع المشتقات
تُمثل «مقاصة» العمود الفقري للاستقرار المالي في السوق؛ بصفتها الطرف المقابل المركزي (CCP) الذي يضمن إتمام الصفقات وتسوية الالتزامات بين الوسطاء والمستثمرين حتى في حالات التعثر.
لم يقتصر دورها على تأمين السوق النقدية، بل مكنت المجموعة من إطلاق سوق المشتقات المالية (Financial Derivatives) وعقود المؤشرات والأسهم المستقبلية، مما فتح قنوات إيرادات جديدة تشمل رسوم إدارة الهامش وضمانات المخاطر.
3. «وامض» (Wamid): ذراع الابتكار ومبيعات البيانات الضخمة
يُمثل تأسيس شركة «وامض» القفزة النوعية الأبرز نحو التحول إلى نموذج شركات التكنولوجيا المالية (FinTech & Big Data)؛ حيث تتولى استثمار بيانات السوق اللحظية والتاريخية وتطوير الحلول الرقمية، وتزويد كبرى بنوك الاستثمار العالمية ومحطات بلومبرغ ورفينيتيف بالمعلومات المالية المتقدمة.
تجلت ثمار هذا الذراع بوضوح في أوقات التباطؤ؛ فحين تراجعت إيرادات التداول مؤخراً، كان قطاع التكنولوجيا والبيانات ومصادر المعلومات يعاكس الاتجاه بنمو بلغت نسبته 5.8%، مؤكداً قدرة الحلول البرمجية على توفير دخل دفاعي صلب ينمو باضطراد مع تزايد الاعتماد على خوارزميات التداول الآلي وحلول الذكاء الاصطناعي.
4. «تداول السعودية»: المحرك التشغيلي المتعدد الأصول
احتفظت منصة التداول بدورها كواجهة أساسية للربط بين العرض والطلب، لكنها تحولت من التركيز على الأسهم وحدها إلى منصة متعددة الأصول تشمل: الصكوك والسندات الحكومية والشركات، الصناديق الاستثمارية المتداولة (ETFs)، صناديق الاستثمار العقاري المتداولة (REITs)، وحقوق الأولوية، مع استقطاب الإدراجات المزدوجة الدولية لدعم مكانة الرياض كعاصمة مالية للمنطقة.

