لم تكن القفزة التكنولوجية التي تشهدها دولة الإمارات العربية المتحدة وليدة الصدفة، بل جاءت تتويجاً لمسار تنموي استثنائي امتد لعقود؛ استطاعت الدولة خلاله إعادة صياغة موقعها على خريطة الاقتصاد العالمي.
فبعد أن كانت تُعرف تاريخياً كواحدة من أبرز عواصم الطاقة التقليدية ومصدري النفط والغاز، نجحت الدولة في تحويل مواردها الهيدروكربونية إلى رافعة استراتيجية لبناء اقتصاد قائم على المعرفة، وتأسيس بنية تحتية رقمية فائقة التطور تضاهي أكبر مراكز التكنولوجيا في العالم.
المحطات الأولى: استثمار عوائد النفط في بناء العقول والتقنية
بدأت رحلة التحول مبكراً مع إدراك القيادة الإماراتية لحتمية تنويع مصادر الدخل والاستعداد لعصر ما بعد النفط. تم توجيه جزء رئيسي من العوائد الاستثمارية نحو تأسيس شبكات الاتصالات المتقدمة، وإطلاق الحكومات الإلكترونية ثم الذكية، وتأسيس المدن المتخصصة مثل “مدينة دبي للإنترنت”.
ومع مرور الوقت، تطورت الرؤية لتنتقل من مجرد “استهلاك وتطبيق التقنيات” إلى “توطين وتطوير البنى التحتية”، وهو ما تجلى بوضوح في إطلاق استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031 كأول دولة في العالم تعين وزيراً متخصصاً للذكاء الاصطناعي.
العصر الجديد: مراكز البيانات الضخمة وبناء النماذج السيادية
في السنوات الأخيرة، أحدثت الإمارات نقلة نوعية عبر إطلاق مشاريع وطنية عملاقة في مجالات الحوسبة الفائقة ونماذج اللغة الكبيرة، وعلى رأسها سلسلة نماذج “فالكون” (Falcon) المفتوحة المصدر التي نافست كبرى الشركات العالمية.
تزامن ذلك مع ضخ استثمارات رأسمالية ضخمة في البنية التحتية للحوسبة السحابية ومراكز البيانات المتقدمة، وصولاً إلى مبادرات تاريخية مثل مشروع “Stargate UAE” باستثمارات تصل إلى 30 مليار دولار، والذي يمثل حجر زاوية في تأمين قدرات المعالجة السحابية الفائقة ليس فقط للسوق المحلي، بل للإقليم والأسواق الدولية.


