يشكل الارتفاع الحاد في أقساط التأمين على مخاطر الحرب في الممرات البحرية الحيوية—وعلى رأسها مضيق هرمز ومضيق باب المندب—محركاً رئيساً للتضخم المستورد، وعاملاً حاسماً في إعادة تسعير أسهم قطاعي الشحن والخدمات المالية.
فعندما تقفز رسوم التأمين الإضافية بنسب تصل إلى أضعاف مستوياتها السابقة لتغطية مخاطر استهداف الناقلات، تنتقل هذه التكاليف عبر سلسلة الإمداد لتستقر في المحصلة النهائية على عاتق المستهلك والمستثمر الفرد.
السياق التاريخي وتسلسل انتقال التكلفة
تاريخياً، شهدت فترات التوترات البحرية—مثل حرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي وأزمات الملاحة الحديثة—قفزات فورية في وثائق تأمين هياكل السفن (Hull War Risk) وتأمين المسؤولية والمسافرين.
تبدأ الدورة عندما تصنف “لجنة الحرب المشتركة” (JWC) في لندن منطقة بحرية معينة كـ”عالية المخاطر”، مما يمنح شركات التأمين وإعادة التأمين الحق في فرض رسوم إضافية قد تصل إلى 1% إلى 2% من إجمالي قيمة السفينة في الرحلة الواحدة.
هذه القفزات اللوجستية لا تمتصها شركات النقل البحري، بل تمررها مباشرة عبر “رسوم طوارئ مخاطر الحرب” (War Risk Surcharges) على الشحنات، مما يرفع تكلفة استيراد السلع الأساسية والمواد الخام ويزيد الضغوط على هوامش ربحية الشركات المستوردة.
التحليل الاقتصادي في ضوء رؤية 2030 وتأثيره على الأسهم
ينعكس هذا الواقع على حركة أسواق المال وأسهم الشركات عبر مسارين متباينين:
- أسهم الشحن والخدمات اللوجستية: تستفيد شركات النقل البحري الكبرى التي تمتلك أساطيل حديثة وقدرات تشغيلية مرنة من ارتفاع أسعار الشحن الإجمالية (Freight Rates)، مما يعزز إيراداتها التشغيلية شريطة قدرتها على تحييد المخاطر التشغيلية عبر موانئ بديلة. ويتماشى ذلك مع أهداف برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية (ندلب) المنبثق عن “رؤية السعودية 2030” لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد وتحويل المملكة إلى مركز لوجستي عالمي يعتمد على شبكة موانئ متكاملة في البحر الأحمر والخليج العربي.
- أسهم شركات التأمين وإعادة التأمين: على الرغم من أن ارتفاع الأقساط يرفع حجم السيولة المكتتبة (Gross Written Premiums)، إلا أن المخاطر تكمن في احتمالية وقوع مطالبات تعويضية ضخمة جراء حوادث بحرية، مما يجعل الشركات ذات التغطيات التحوطية الصلبة مع كبرى شركات إعادة التأمين العالمية هي الرابح الأكبر استثمارياً.

