تُعد شركة “البحري” (الشركة الوطنية السعودية للنقل البحري) أحد أبرز النماذج الوطنية الملهمة في التحول من ناقل محلي محدود إلى عملاق لوجستي عالمي يمتلك ويشغل أحد أكبر وأحدث أساطيل ناقلات النفط الخام العملاقة (VLCC) في العالم.
ولم تكن هذه المسيرة مجرد نمو في حجم الأصول والسفن، بل كانت درساً استراتيجياً في بناء منظومة مرنة قادرة على الملاحة وسط أكثر أزمات الطاقة تعقيداً في التاريخ المعاصر.
السياق التاريخي: البدايات وتأسيس السيادة البحرية
تأسست “البحري” بموجب مرسوم ملكي عام 1978 بهدف تأمين خطوط الإمداد الاستراتيجية لصادرات المملكة من النفط والمنتجات البتروكيماوية، وتفادي الاعتماد الحصري على شركات الشحن الأجنبية.
وعلى مدار أكثر من أربعة عقود، واجهت الشركة اختبارات جيوسياسية قاسية، كان أبرزها أزمة “حرب الناقلات” في ثمانينيات القرن الماضي والتوترات المتكررة في الممرات المائية الحيوية.
واستطاعت الشركة تحويل التحديات إلى فرص عبر الاستثمار المتواصل في بناء سفن متقدمة وتدريب الكفاءات الوطنية، وتوجت ذلك في عام 2014 بصفقة الاندماج التاريخية لأسطول ناقلات شركة “فيلا” البحرية التابعة لأرامكو السعودية، مما منح “البحري” قفزة نوعية لتصبح الناقل الحصري للنفط الخام السعودي عبر العالم.
التحليل الاقتصادي في ضوء رؤية 2030 وبرنامج “ندلب”
يمثل نجاح “البحري” حجر الزاوية ضمن برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية (ندلب) المنبثق عن “رؤية السعودية 2030″، والذي يستهدف ترسيخ مكانة المملكة كمركز لوجستي عالمي يربط القارات الثلاث. وتتجلى أهمية الشركة الاقتصادية عبر عدة محاور:
- تأمين أمن الطاقة العالمي: توفير أسطول ضخم يضم عشرات الناقلات العملاقة يتيح امتصاص الصدمات الجيوسياسية وضمان وصول إمدادات الطاقة للأسواق الدولية في آسيا وأوروبا وأمريكا دون انقطاع.
- تنويع قطاعات الأعمال: توسيع محفظة الشركة لتشمل نقل الكيماويات، والبضائع السائبة، والخدمات اللوجستية المتكاملة، وإدارة الموانئ، بدلاً من الاقتصار على شحن النفط الخام فقط.
- المرونة التشغيلية وإدارة الأزمات: تبني أنظمة تحكم ومراقبة ذكية واستخدام موانئ بديلة مثل ميناء ينبع على البحر الأحمر عبر الربط مع خط أنابيب “شرق-غرب”، لتجاوز أي اختناقات في مضيق هرمز.

