في عالم المال والأعمال بالمملكة العربية السعودية، نادراً ما تجد علامة تجارية محلية استطاعت أن تحفر اسمها في وجدان كل بيت كرمز للمعرفة والتقدم التكنولوجي مثل “مكتبة جرير”.
إن تحقيق الشركة لصافي أرباح يلامس 463 مليون ريال في النصف الأول من عام 2026 ليس مجرد رقم مالي عابر؛ بل هو فصل جديد من قصة نجاح ملهمة بدأت قبل خمسة عقود من كشك صغير لبيع الكتب والمستلزمات المستعملة بالرياض، لتتحول اليوم إلى عملاق قطاع التجزئة في الشرق الأوسط وأحد أنجح نماذج تحول الشركات العائلية في المنطقة.
البدايات المتواضعة: قوة الشغف والرؤية الواضحة في السبعينيات
تأسست جرير في أواخر السبعينيات وتحديداً في عام 1979 على يد الإخوة العقيل (محمد، عبد الكريم، ناصر، وعبد الله) كـمكتبة صغيرة لبيع الأدوات المدرسية والكتب في شارع جرير بالرياض. في وقت كانت فيه سوق القرطاسية والكتب تعاني من العشوائية وغياب التنظيم، آمن الإخوة العقيل بضرورة تقديم تجربة تسوق مختلفة تقوم على جودة المنتج وتنوع المعروض وأناقة العرض.
لم يكن نمو جرير وليد الصدفة، بل كان مدفوعاً بـ استراتيجية فريدة لإدارة الأصول والتمويل الذاتي. فبدلاً من السعي وراء الأرباح السريعة، كان المؤسسون يعيدون استثمار كل ريال من الأرباح لتوسيع قاعدة المنتجات والتحول التدريجي من مجرد مكتبة لبيع المستلزمات الورقية إلى متجر متكامل للمبيعات الاستهلاكية والتكنولوجية الشاملة.
هندسة التحول الذكي: من الورق إلى رقمنة الأجهزة والريادة الإقليمية
مع دخول أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، أدركت إدارة “جرير” مبكراً أن المستقبل ليس للورق وحده، بل للثورة التكنولوجية الصاعدة. اتخذت الشركة قراراً استراتيجياً شجاعاً بالدخول بقوة في قطاع الحواسب الآلية، والهواتف الذكية، ومستلزمات التقنية.
هذا التحول الذكي اعتمد على ركيزتين أساسيتين ضمنت للمجموعة الريادة المستمرة:
صناعة هوية بصرية متميزة وعلامة تجارية موثوقة: ارتبط شعار “جرير ليست مجرد مكتبة” في عقول المستهلكين بالضمان الحقيقي، وخدمة ما بعد البيع الفائقة، وتوفير أحدث الابتكارات العالمية فور صدورها، مما جعلها الوجهة الأولى بلا منازع للمستهلكين الباحثين عن الجودة والأمان الرقمي.
التحول إلى شركة مساهمة عامة: في عام 2003، اتخذت جرير خطوة تاريخية بطرح أسهمها للاكتتاب العام في السوق المالية السعودية (تاسي)، هذه الخطوة لم تسهم فقط في توفير سيولة نقدية ضخمة للتوسع، بل نقلت الشركة من الإدارة العائلية التقليدية إلى حوكمة مؤسسية صارمة تضمن استدامة الأعمال وحماية حقوق المساهمين لأجيال قادمة، وتجنبها مصير الانهيار الذي واجهته شركات عائلية أخرى بالمنطقة.

