كشفت أحدث البيانات والتقارير الاقتصادية الموثقة عن تسجيل حجم الاستثمارات الصناعية التراكمية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية قفزة قياسية جديدة لتصل إلى نحو 426 مليار دولار أمريكي، مدفوعة بضخ رؤوس أموال ضخمة في قطاعات التصنيع التحويلي، البتروكيماويات، التعدين، والصناعات الهندسية المتقدمة.
ويعكس هذا الرقم الاستثنائي تحولاً هيكلياً ملموساً في النماذج التشغيلية لاقتصادات المنطقة، حيث استطاعت المدن الصناعية والمناطق الاقتصادية الخاصة والحرة استقطاب آلاف المنشآت التصنيعية المؤتمتة، الأمر الذي ساهم في توليد مئات الآلاف من الوظائف الفنية والمهنية التخصصية ورفع حجم الصادرات الصناعية غير النفطية إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة تلبي معايير الأسواق الاستهلاكية الإقليمية والدولية.
السياق التاريخي لمسيرة التصنيع من النفط الخام إلى القيمة المضافة
ارتبطت اقتصادات دول الخليج العربي تاريخياً بتصدير الموارد الهيدروكربونية والنفط الخام كمصدر رئيسي للدخل والميزانيات العامة للدول، ومع بداية ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بدأت دول المنطقة في وضع اللبنات الأولى للصناعات الثقيلة عبر استغلال الغاز الطبيعي كلقيم لمصانع البتروكيماويات والحديد والألمنيوم، مما أفرز كيانات صناعية رائدة إقليمياً.
ومع ذلك، بقيت معظم سلاسل التوريد والمنتجات النهائية معتمدة على الاستيراد الخارجي، حتى فرضت التحولات الاقتصادية العالمية ضرورة التحول من نمط التصنيع الأساسي المحدود إلى بناء سلاسل قيمة مضافة عميقة تشمل الأدوية، التقنيات النظيفة، ومعدات الطاقة المتجددة، لتتحول منطقة الخليج اليوم إلى منصة تصنيعية ولوجستية عالمية تربط بين قارات العالم الثلاث.
التحليل الاقتصادي في ضوء مستهدفات “رؤية 2030″ و”رؤية عمان 2040”
تنسجم هذه الطفرة الاستثمارية الصناعية البالغة 426 مليار دولار بصورة مباشرة مع المحاور الاستراتيجية للرؤى التنموية الوطنية في دول المجلس، وفي مقدمتها “رؤية السعودية 2030″ عبر الاستراتيجية الوطنية للصناعة وبرنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية (ندلب)، و”مشروع 300 مليار” في دولة الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى “رؤية عمان 2040” واستراتيجيتها لتعزيز الصناعات التحويلية والمحتوى المحلي.
ومن منظور اقتصادي تحليلي، يمثل ضخ هذه الرساميل الصناعية ضمانة أمان ضد تقلبات أسواق الطاقة والنفط، كما يسهم في تعزيز الحساب الجاري وميزان المدفوعات من خلال خفض الفاتورة الاستيرادية وتوطين التقنيات الصناعية الدقيقة، مما يعزز الاستقلالية الاقتصادية ويرفع تنافسية السلع الخليجية في التجارة العالمية.

