لم يعد التحول نحو الأغذية الصحية مجرد “صيحة” عابرة في المجتمع السعودي، بل تحول إلى قطاع اقتصادي حيوي يسجل أرقاماً قياسية.
ووفقاً لأحدث التقارير السوقية، يشهد سوق المنتجات الخالية من الجلوتين في المملكة العربية السعودية نمواً سنوياً مركباً يصل إلى 9.7%، وهو ما يجعله أحد أسرع القطاعات نمواً في صناعة الأغذية والمشروبات.
هذا التسارع يعكس تحولاً جذرياً في سلوك المستهلك السعودي الذي بات يضع الجودة الصحية على رأس أولويات الإنفاق، حتى مع ارتفاع تكلفة هذه المنتجات مقارنة بالبدائل التقليدية.
السياق التاريخي: من “رفوف الصيدليات” إلى “أجنحة الهايبر ماركت”
إذا عدنا بالزمن لعشر سنوات فقط، كان الحصول على رغيف خبز خالٍ من الجلوتين في السعودية يشكل تحدياً حقيقياً؛ حيث كانت هذه المنتجات محصورة في زوايا ضيقة ببعض الصيدليات الكبرى أو المتاجر المتخصصة جداً، وبأسعار فلكية.
ومع زيادة الوعي الطبي وارتفاع معدلات تشخيص حساسية القمح (السيلياك) والحساسية غير المناعية للجلوتين، بدأ العرض يلاحق الطلب المتزايد.
انتقلت هذه المنتجات من كونها “سلعاً علاجية” إلى “خيار أسلوب حياة” يتبعه الرياضيون والمهتمون بالحميات الغذائية، مما دفع كبرى سلاسل التجزئة السعودية لتخصيص أقسام كاملة ومتكاملة لها.
التحليل الاقتصادي في ضوء “رؤية 2030”
ينسجم هذا النمو بشكل مثالي مع مستهدفات “برنامج جودة الحياة”، أحد الركائز الأساسية لرؤية السعودية 2030، والذي يهدف إلى تشجيع نمط حياة صحي ومتوازن.
اقتصادياً، يمثل هذا النمو فرصة ذهبية لتقليل الاعتماد على الواردات؛ حيث إن أغلب هذه المنتجات لا تزال تُستورد من الخارج بأسعار مرتفعة.
توطين صناعة الأغذية الخالية من الجلوتين لا يساهم فقط في تحقيق الأمن الغذائي، بل يفتح آفاقاً لنمو “المحتوى المحلي” وخلق وظائف في قطاع التصنيع الغذائي المتخصص، مما يعزز من قوة الاقتصاد غير النفطي.
التوقعات المستقبلية: هل نشهد انخفاضاً في الأسعار؟
مع دخول استثمارات جديدة وتوسع المصانع الوطنية في إنتاج بدائل الطحين (مثل طحين اللوز، الكينوا، والأرز)، من المتوقع أن يشهد السوق خلال السنتين القادمتين زيادة في حدة المنافسة، مما قد يؤدي تدريجياً إلى كسر احتكار الماركات العالمية وخفض الأسعار بنسبة تتراوح بين 10% إلى 15%.
كما يتوقع المحللون أن يتوسع القطاع ليشمل “المطاعم السريعة” و”المقاهي” بشكل أوسع، بحيث تصبح الخيارات الخالية من الجلوتين جزءاً أساسياً من قائمة الطعام وليس مجرد طلب جانبي خاص.

