يرتبط اسم ستيف جوبز في الأذهان بهواتف “آيفون” وأجهزة “ماك”، لكن الحقيقة التاريخية في عالم المال تشير إلى وجهة أخرى تماماً.
ففي عام 1985، وبعد صراع مرير على السلطة داخل أروقة شركة “آبل”، وجد جوبز نفسه مطروداً من الإمبراطورية التي أسسها. لم يكن هذا الخروج نهاية المطاف، بل كان بداية لرحلة استثمارية عبقرية. في عام 1986، استحوذ جوبز على قسم رسومات الحاسب في شركة “Lucasfilm” مقابل 10 ملايين دولار فقط، ليحولها إلى ما نعرفه اليوم بشركة “بيكسار” (Pixar).
كانت هذه الصفقة هي “حجر الزاوية” الذي لم يغير صناعة السينما فحسب، بل نقل جوبز رسمياً إلى نادي المليارديرات قبل عودته المظفرة لآبل.
المخاطرة المالية ولحظة الاكتتاب العام (IPO)
لم يكن طريق “بيكسار” مفروشاً بالورود؛ بل كان مليئاً بالتحديات التشغيلية والمالية. لسنوات عديدة، كان جوبز يغطي العجز المالي للشركة من ثروته الشخصية، مؤمناً بأن التكنولوجيا والرسوم المتحركة سيلتقيان في نقطة إبداعية غير مسبوقة.
في عام 1995، وبالتزامن مع إطلاق فيلم “Toy Story”، اتخذ جوبز القرار الجريء بطرح الشركة للاكتتاب العام. وصف لورانس ليفي، المدير المالي آنذاك، هذه المرحلة بأنها “سباق أولمبي”، حيث كان مستقبل عقود من الابتكار معلقاً على نجاح فيلم واحد.
حقق الاكتتاب نجاحاً مدوياً؛ إذ قفز سعر السهم من 14 دولاراً إلى 39 دولاراً في يومه الأول، لترتفع قيمة حصة جوبز (التي كانت تبلغ 80%) وتتجاوز ثروته حاجز المليار دولار لأول مرة.
التحليل الاقتصادي: بيكسار كنموذج للاستثمار الجريء
إن تجربة بيكسار تعكس جوهر “الاستثمار الجريء” الذي تسعى رؤى مستقبلية مثل رؤية السعودية 2030 لتعزيزه من خلال دعم قطاعات الترفيه والتقنية. الاستثمار في “المحتوى الإبداعي المدعوم بالتقنية” هو ما منح بيكسار قيمتها السوقية الهائلة.
وعندما استحوذت “ديزني” على بيكسار في عام 2006 مقابل 7.4 مليار دولار، تحولت حصة جوبز إلى 4.6 مليار دولار، مما جعله أكبر مساهم فردي في ديزني.
هذا يعلم رواد الأعمال أن “التنويع الاستراتيجي” هو الأمان الحقيقي للثروة؛ فبينما كانت آبل تصارع في التسعينيات، كانت بيكسار هي المحرك الذي ينمي ثروة جوبز.
نماذج عالمية: ماسك وبرانسون والمليون الأول
قصة جوبز ليست فريدة في بابها، بل هي منهج يتبعه العمالقة. إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم اليوم، لم يبدأ بـ “تسلا” أو “سبيس إكس”، بل حقق ملايينه الأولى من بيع شركة البرمجيات “Zip2” ثم اندماج “X.com” لتأسيس “PayPal”.
وبالمثل، فإن السير ريتشارد برانسون، مؤسس مجموعة “فيرجن”، لم يحقق لقب ملياردير من شركة الطيران، بل من بيع “فيرجن ريكوردز” الموسيقية.
هؤلاء القادة يثبتون أن “الشغف والطاقة” -كما يقول تيم كوك- هما المحركان الرئيسيان لتحويل فكرة تقنية بسيطة إلى إمبراطورية اقتصادية تغير مجرى التاريخ.

