عاود الذهب تسجيل مكاسب قوية بعد أن أنهى سلسلة خسائر امتدت لتسعة أيام متتالية، مدعوماً بتطورات جيوسياسية إيجابية تمثلت في طرح الولايات المتحدة مقترحاً من 15 نقطة يهدف إلى المساعدة في إنهاء التصعيد في منطقة الشرق الأوسط.
وارتفع سعر المعدن الأصفر بنسبة تصل إلى 2.8% في تعاملات اليوم، مضافاً إلى مكاسب بلغت 1.6% في الجلسة السابقة، ليواصل تعافيه عند مستويات 4540.91 دولار للأونصة في تداولات لندن الصباحية.
ويأتي هذا الارتداد في أسعار الذهب ليعكس حساسية السوق العالية للتطورات الجيوسياسية، خاصة مع تزايد الطلب على الملاذات الآمنة من قبل المستثمرين في منطقة الخليج والعالم العربي، الذين يتابعون عن كثب أي مؤشرات على تهدئة التوترات الإقليمية.
مقترح السلام الأمريكي وتداعياته على أسواق السلع الآمنة
صاغت الإدارة الأمريكية خطة دبلوماسية تهدف إلى فتح باب الحوار مع إيران، فيما حثت بكين طهران على الانخراط في المحادثات، رغم عدم ورود رد رسمي من الجانب الإيراني حتى اللحظة.
وتؤثر هذه التطورات بشكل مباشر على أسواق السلع الأساسية، حيث يميل المستثمرون إلى إعادة تقييم مراكزهم في الذهب كوسيلة تحوط ضد المخاطر الجيوسياسية.
وبالنسبة لمتخذي القرارات الاستثمارية في دول مجلس التعاون، تظل مراقبة هذه المتغيرات أمراً حيوياً لإدارة المحافظ الاستثمارية المتنوعة بين الذهب والأصول الأخرى.
العلاقة العكسية بين الذهب والنفط في ظل التوترات الإقليمية
شهدت الأسواق تحركات متباينة، حيث انخفضت أسعار النفط فيما ارتفعت الأسهم العالمية. ومنذ بدء التصعيد العسكري قبل أكثر من ثلاثة أسابيع، تحرك الذهب إلى حد كبير بالتوازي مع الأسهم، وفي علاقة عكسية مع خام النفط.
وتجدر الإشارة إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن الصراع يزيد من مخاطر التضخم، مما يدفع المستثمرين إلى الرهان على بقاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الأخرى على سياسة أسعار الفائدة المرتفعة.
ويشكل هذا السيناريو ضغطاً تقليدياً على المعادن النفيسة التي لا تدر عائداً دورياً، مما يؤثر على جاذبيتها النسبية مقارنة بالأدوات ذات الدخل الثابت.
توقعات سياسات الاحتياطي الفيدرالي وتأثيرها على الذهب
خلال الأسابيع الأخيرة، أجبرت التراجعات الحادة في أسواق الأسهم والسندات العالمية العديد من المستثمرين على تخفيض مراكزهم في الذهب لتوفير السيولة النقدية، مما عمق من خسائر المعدن الأصفر على المدى القصير.
وفي هذا السياق، أشار كريستوفر وونغ، الاستراتيجي في بنك “أوفرسيز تشاينيز بانكينغ كورب”، إلى أن الذهب “من المرجح أن يبقى حساساً لتوقعات مسار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، وتقلبات سعر الدولار، والتطورات الجيوسياسية الراهنة”.
وأضاف وونغ: “لكن الانتعاش الحالي يشير إلى أن مستويات الانخفاض قد تجد دعماً قوياً، ما لم ترتفع العوائد الحقيقية لسندات الخزانة الأمريكية بشكل ملحوح”، وهو عامل يراقبه عن كثب مديرو الأصول في المؤسسات المالية الخليجية.
تصعيد إقليمي ونشر قوات أمريكية يعززان حالة الترقب
بقيت الأسواق المالية في حالة من التوتر والحذر، مع استمرار التقارير حول إحكام إيران قبضتها على حركة الملاحة في مضيق هرمز، واستمرار إسرائيل في توجيه ضربات مستهدفة.
وعلى الصعيد العسكري، أمرت الإدارة الأمريكية بنشر نحو ألفي جندي من الفرقة “82” المحمولة جواً التابعة للجيش إلى منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى نحو 5000 جندي إضافي من المتوقع أن يبدأوا الوصول خلال الأيام المقبلة.
وتؤثر هذه التطورات الأمنية بشكل مباشر على ثقة المستثمرين في منطقة الخليج، مما قد يدفع نحو زيادة الطلب على الذهب كأداة تحوط استراتيجي ضمن المحافظ الاستثمارية المؤسسية والخاصة.
البنوك المركزية وتحركات إدارة الاحتياطيات الذهبية
ظهرت تقارير حديثة تفيد بأن بعض البنوك المركزية تلجأ إلى بيع الذهب كجزء من استراتيجياتها للدفاع عن عملاتها المحلية أمام التقلبات الحادة المرتبطة بالحرب.
ويُذكر أن البنك المركزي التركي يستعد لتوسيع أدواته النقدية لدعم الليرة، وهو ما قد يشمل استخدام احتياطياته الكبيرة من الذهب. وكشفت مصادر مطلعة أن البنك أجرى مناقشات حول إمكانية إجراء صفقات مقايضة الذهب بعملات أجنبية في سوق لندن.
وفي تعليق على هذه التحركات، أوضح كريستوفر وونغ أن عمليات البيع التي تقوم بها البنوك المركزية “قد تؤثر سلباً على معنويات السوق قصيرة الأجل، إلا أن هذه التحركات لا تمثل تصفية هيكلية للاحتياطيات”.
وأضاف: “في الواقع، فإن نية استخدام مقايضات الذهب بالعملات الأجنبية تؤكد الدور الاستراتيجي للمعدن النفيس في إدارة الاحتياطيات السيادية”.
دور البنوك المركزية الخليجية في دعم مسار الذهب العالمي
كانت عملية تراكم الذهب من قبل البنوك المركزية العالمية المستمرة منذ عام 2022، أحد المحركات الرئيسية للمسار الصعودي الممتد لأسعار المعدن الأصفر، رغم أن وتيرة الشراء شهدت تباطؤاً نسبياً مع دخول عام 2026.
وتلعب البنوك المركزية في دول مجلس التعاون الخليجي دوراً محورياً في هذا المشهد، حيث تحتفظ عدة دول خليجية باحتياطيات استراتيجية من الذهب كجزء من سياسات تنويع الاحتياطيات بعيداً عن الاعتماد الكلي على الدولار الأمريكي.
وتعكس هذه السياسات رؤية استباقية لإدارة المخاطر المالية العالمية، وتعزيز استقرار العملات المحلية في مواجهة الصدمات الخارجية، وهو نهج يتوافق مع مستهدفات الاستقرار المالي في رؤى التنمية الخليجية.
تحديث أسعار المعادن النفيسة في التداولات الآسيوية
في ختام جولة التداولات الصباحية بلندن، سجلت أسعار المعادن النفيسة الأداء التالي:
- الذهب الفوري: +1.4% عند 4540.91 دولار للأونصة.
- الفضة: +1.3% عند 72.08 دولار للأونصة، بعد ارتفاع 3% في الجلسة السابقة.
- البلاتين والبلاديوم: تسجيل مكاسب متواضعة مدعومة بتحسن معنويات القطاع الصناعي.
- مؤشر بلومبرغ للدولار: استقرار نسبي يعكس ترقب المستثمرين للبيانات الاقتصادية الأمريكية القادمة.

