في ظل التسارع غير المسبوق لاعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي عبر دول مجلس التعاون الخليجي، يبرز سؤال جوهري لصناع القرار ورواد الأعمال: ما الثمن الحقيقي لكل عملية ذكية ننفذها؟ يجيب على هذا التساؤل طارق الحوسني، مؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة زيروجرافيتي، بمقولة استشرافية: “الذكاء الأخضر ليس ترفاً أخلاقياً، وإنما شرط بقاء”.
خلف كل تفاعل بسيط مع نماذج الذكاء الاصطناعي، تعمل بنية تحتية ضخمة من الخوادم التي تولد حرارة هائلة تتطلب تبريداً مستمراً. وتعتمد معظم مراكز البيانات حالياً على أنظمة التبريد بالمياه، حيث يُرش الماء في أبراج تبريد عملاقة ليتبخر حاملاً الحرارة إلى الغلاف الجوي.
المشكلة البيئية الكبرى تكمن في أن هذا الماء لا يعود إلى الدورة الطبيعية؛ فهو يتبخر للأبد. وتشير الإحصاءات إلى أن 78% من المياه التي تسحبها مراكز البيانات الكبرى هي مياه عذبة صالحة للشرب، مما يعني تحويل مورد حيوي كان من الممكن أن يخدم المجتمعات والقطاعات الزراعية في منطقة تعاني أصلاً من الشح المائي مثل منطقتنا الخليجية.
بالأرقام: نصف لتر ماء عذب مقابل كل حوار ذكي
لفهم حجم التحدي، نستعرض بيانات دراسة للأستاذ شاولي رين من جامعة كاليفورنيا ريفرسايد، والتي تقدم أرقاماً تستدعي وقفة جادة من رواد الأعمال والمستثمرين في القطاع التقني:
- محادثة واحدة (20-50 سؤالاً) مع نموذج ذكاء اصطناعي تستهلك نحو 500 مليلتر من الماء العذب.
- تدريب نموذج واحد من الصفر يحتاج إلى 700,000 لتر في جلسة واحدة.
- نموذج مثل ChatGPT يعالج مليار استفسار يومياً على الأقل، مما يضاعف الأثر المائي بشكل هائل.
- شركة غوغل سحبت 37 مليار لتر من المياه عام 2024، تبخر منها 29 مليار لتر بشكل نهائي.
- التوقعات لعام 2027: سيستهلك قطاع الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة وحدها ما يعادل 4 إلى 6 أضعاف استهلاك دولة الدنمارك بأكملها من المياه سنوياً.
- التكلفة غير المباشرة: تصنيع هاتف ذكي واحد يستهلك 12,670 لتراً، ومعاملة بيتكوين واحدة تستنزف 16,000 لتر.
هذه الأرقام ليست مجرد بيانات إحصائية، بل هي مؤشرات خطر تدعو قطاع الأعمال الخليجي لإعادة النظر في معايير الاستثمار التقني ضمن رؤى الاستدامة الوطنية مثل رؤية السعودية 2030 ومئوية الإمارات 2071.
الذكاء الأخضر: شرط بقاء وليس ترفاً أخلاقياً
يؤكد طارق الحوسني على نقطة محورية للمستثمرين ورواد التكنولوجيا في المنطقة:
بالنسبة لرجل الأعمال الخليجي، يمثل تبني معايير “الذكاء الأخضر” فرصة لريادة سوق جديد، حيث تزداد الطلبات على حلول تقنية متوافقة مع معايير البيئة والاجتماع والحوكمة (ESG) التي تتبناها حكومات المنطقة.
أخلاقيات الابتكار في عصر الندرة المائية
التنافس العالمي على تطوير خوارزميات أكثر قوة لا ينعكس فقط في بيانات الأرباح، بل يحمل تداعيات خفية على الموارد الاستراتيجية. ويعلق الحوسني على هذا البعد الاستراتيجي:
“إنّ السؤال لم يعد: كيف نجعل الذكاء أسرع أو أقوى أو أذكى؟! لا، وإنما كيف نجعله أقلّ في استهلاك الذي ما لا يُعوَّض؟، لأنّ الشركة التي تحسم معادلة الذكاء الأخضر أولاً، هي الشركة التي تتفوّق وتحسم معركة القيمة والاستدامة معاً.”
هذه الرؤية تتقاطع تماماً مع التوجهات الخليجية نحو الاقتصاد الدائري للكربون والتنويع الاقتصادي، حيث تصبح الكفاءة في استخدام الموارد ميزة تنافسية حقيقية.
حلول تقنية ومسار نحو الاستدامة: فرص استثمارية واعدة
الخروج من هذا المأزق البيئي يتطلب إرادة استراتيجية تسبق الابتكار التقني. وتتوفر اليوم حلول عملية يمكن لرواد الأعمال في الخليج تبنيها أو الاستثمار فيها:
- أنظمة التبريد ذات الدائرة المغلقة: التي تعيد تدوير المياه وتقلل الفاقد.
- تقنيات الغمر الحراري: التي تقلص الاعتماد على المياه في عمليات التبريد.
- الشرائح عالية الكفاءة: التي تستهلك طاقة أقل وتولد حرارة أقل.
- مراكز البيانات صفرية الاستهلاك المائي: كما أعلنت مايكروسوفت عن تصميماتها لعام 2024.
ويرى طارق الحوسني أن الخطوة الأولى نحو التغيير الحقيقي هي وضع معايير قياس واضحة:
“لا يمكن إدارة ما لا نقيسه، نحن بحاجة إلى مؤشر عالمي واضح للبصمة المائية لكلّ نموذج ذكاء اصطناعي، فحين يرى المستخدم عدد اللترات المصروفة خلف كلّ إجابة، سيتحوّل الوعي إلى قوة ضغطٍ أخلاقية توعوية واقتصادية.”
رؤية خليجية: فرص ريادة الأعمال في الاقتصاد الأخضر الرقمي
يمثل التحول نحو “الذكاء الأخضر” فرصة استراتيجية لرواد الأعمال في دول مجلس التعاون، وذلك من خلال:
- تطوير حلول تبريد مبتكرة تتلاءم مع المناخ الحار في المنطقة.
- إنشاء منصات قياس البصمة المائية للخدمات الرقمية.
- الاستثمار في مراكز بيانات خضراء تعمل بالطاقة المتجددة وتقنيات ترشيد المياه.
- تقديم استشارات الاستدامة الرقمية للشركات الناشئة والكبيرة على حد سواء.
ختاماً، نحن في “رواد الأعمال” نؤمن بأن التطور التكنولوجي والاستدامة البيئية ليسا مسارين متعارضين، بل هما جناحا النمو المستدام. في كل مرة نضغط فيها زر السؤال، هناك قطرة ماء تدفع الثمن في مكان ما. فإن لم نُخضع الذكاء لمنطق الحكمة، فقد نستيقظ ذات يوم على عالم يفيض بالإجابات والرسومات، ويعجز عن توفير كأس ماء.
الذكاء الأخضر هو الحلّ لاستدامة هذا الذكاء العبقري الفريد، وهو المجال الذي ينتظر رواد الأعمال الخليجيين ليقودوا فيه مرحلة جديدة من الابتكار المسؤول.

