في خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم الخريطة الاقتصادية وتعميق سوق المال، تعتزم الحكومة المصرية إدراج 20 شركة حكومية جديدة في البورصة المصرية خلال الأسبوعين المقبلين.
إعادة هيكلة شاملة لأصول الدولة وتنشيط لسوق المال
يأتي هذا التحرك المكثف، بحسب تصريحات هاشم السيد، مساعد رئيس مجلس الوزراء والرئيس التنفيذي لوحدة الشركات المملوكة للدولة، ضمن خطة شاملة لإعادة هيكلة الشركات الحكومية وتسريع وتيرة برنامج الطروحات. وتتوزع الشركات المزمع قيدها لتشمل 5 شركات تابعة للشركة القابضة للصناعات الكيماوية، و5 شركات أخرى تابعة للشركة القابضة المعدنية، بينما تتوزع الكيانات المتبقية على الشركات القابضة الأخرى ضمن قطاع الأعمال.
السياق التاريخي: تحولات جذرية في هيكل الإدارة الحكومية
تأتي هذه القرارات المتسارعة في أعقاب تغييرات هيكلية كبرى شهدتها الإدارة الاقتصادية، أبرزها الإلغاء الأخير لوزارة قطاع الأعمال العام خلال التعديل الوزاري الماضي. تاريخياً، كانت هذه الوزارة تدير المحفظة الاستثمارية الأكبر للدولة، حيث أشرفت على 146 شركة تعمل في قطاعات حيوية كالسياحة، الأدوية، التشييد، والغزل والنسيج، ومثلت نحو 26% من إجمالي الشركات الحكومية البالغ عددها 561 شركة حتى منتصف عام 2025. ولسد الفراغ الإداري وضمان حوكمة أفضل، أسست مصر “وحدة الشركات المملوكة للدولة” في أواخر عام 2025، لتتولى مهام حصر وتقييم أصول الدولة وتحديد حجم محافظها الاستثمارية بدقة متناهية.
مستقبل الشركات المقيدة وإعادة إحياء دور الصندوق السيادي
إلى جانب الطروحات المرتقبة، كشف الرئيس التنفيذي لوحدة الشركات المملوكة للدولة عن خطة طموحة لنقل ملكية وتبعية ما يصل إلى 40 شركة حكومية مقيدة بالفعل في البورصة المصرية إلى محفظة “صندوق مصر السيادي” قبل نهاية شهر أبريل من العام الجاري (2026). هذا التحرك يمثل إعادة تموضع استراتيجي، ويطرح إشارات قوية حول عودة الدور الفاعل لصندوق مصر السيادي -الذي تأسس عام 2018- بعد فترة من التراجع النسبي في نشاطه التخارجي، خاصة بعد نقل تبعيته إلى رئاسة مجلس الوزراء في أواخر عام 2024.
التحليل الاقتصادي: توافق استراتيجي مع “وثيقة سياسة ملكية الدولة”
من منظور اقتصادي كلي، تتماشى هذه الخطوات بشكل وثيق مع مسار الإصلاح الاقتصادي ومقررات “وثيقة سياسة ملكية الدولة” الداعمة لـ “رؤية مصر 2030”. إن تخارج الدولة وتوسيع قاعدة الملكية لا يعكس فقط الرغبة في توفير سيولة نقدية وعوائد دولارية، بل هو تطبيق فعلي لاستراتيجية إفساح المجال أمام القطاع الخاص لقيادة قاطرة النمو. نقل الأصول إلى الصندوق السيادي يهدف إلى تعظيم قيمتها، تعزيز مبادئ الشفافية، ورفع كفاءة الإدارة، مما يساهم بشكل مباشر في جذب استثمارات أجنبية مباشرة (FDI) وتعزيز تنافسية الاقتصاد المصري.
التوقعات المستقبلية: كيف سيتفاعل السوق في الشهور القادمة؟
من المتوقع أن تُحدث هذه القرارات حراكاً إيجابياً واسعاً في أروقة البورصة المصرية خلال الشهور القليلة القادمة. ضخ 20 شركة جديدة سيؤدي حتماً إلى زيادة ملحوظة في عمق السوق وحجم السيولة المتداولة، وسيوفر “بضاعة استثمارية” جديدة تجذب محافظ المؤسسات وصناديق الاستثمار المحلية والأجنبية. كما أن تجميع 40 شركة تحت مظلة الصندوق السيادي قد يُمهد لعقد شراكات استراتيجية ضخمة، مما سينعكس إيجاباً على أداء هذه الشركات، ويدفع مؤشرات السوق لمستويات مقاومة جديدة، معيداً الثقة بقوة في برنامج الطروحات كأداة فاعلة للنمو.

