تواجه منطقة الخليج العربي مرحلة مفصلية في تاريخ أمن الطاقة؛ حيث تدفع التهديدات المتزايدة والمحاولات الإيرانية المستمرة لفرض السيطرة على مضيق هرمز دول المنطقة إلى تسريع الخطى نحو “حلول استراتيجية بديلة”.
لم يعد الاعتماد على الممر البحري الحيوي خياراً آمناً في ظل التوترات الراهنة، مما جعل مشاريع خطوط الأنابيب البرية تعود إلى صدارة المشهد كأولوية قصوى للأمن القومي والاقتصادي.
السياق التاريخي: استعادة دروس “حرب الناقلات”
تعيد الأزمة الحالية للأذهان ذكريات ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً “حرب الناقلات” خلال الحرب العراقية الإيرانية، وهي الفترة التي شهدت ولادة فكرة خط الأنابيب السعودي (شرق-غرب).
هذا الخط، الذي يمتد لمسافة 1200 كيلومتر، كان بمثابة صمام أمان تاريخي للمملكة.
اليوم، يعود هذا المسار ليثبت أنه لم يكن مجرد مشروع هندسي، بل رؤية استباقية مكنت السعودية من نقل 7 ملايين برميل يومياً إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بعيداً عن أي تهديد مباشر في مياه الخليج.
التحليل الاقتصادي وربطه برؤية 2030 ورؤية عمان 2040
إن التحرك الخليجي لإنشاء شبكة أنابيب متكاملة يتماشى تماماً مع المستهدفات الاقتصادية الكبرى. في السعودية، يدعم هذا التوجه “رؤية 2030” من خلال تحويل المملكة إلى منصة لوجستية عالمية تربط القارات الثلاث، مع تعزيز أمن الصادرات النفطية التي تمول المشاريع التنموية الكبرى مثل “نيوم”.
أما في سلطنة عمان، فإن تطوير الموانئ الجنوبية كبدائل استراتيجية يصب في مصلحة “رؤية عمان 2040″، عبر تعزيز قطاع النقل والخدمات اللوجستية وجذب الاستثمارات الأجنبية لموانئ مثل الدقم وصلالة، لتصبح مراكز طاقة عالمية خارج منطقة النزاع المباشر.
التحديات الجيوسياسية والتوقعات المستقبلية
رغم الجدوى الاستراتيجية، تظل التكاليف الباهظة التي قد تتجاوز 20 مليار دولار لبعض المسارات العابرة للحدود، والتضاريس الوعرة لجبال الحجاز، عوائق قائمة. ومع ذلك، تشير التوقعات إلى أن الشهور القادمة ستشهد إعلانات عن توسعة الطاقة الاستيعابية للخطوط الحالية (مثل خط الفجيرة وخط شرق-غرب).
ومن المتوقع أن يتحول “المزاج الاستثماري” من التردد إلى التنفيذ الفعلي، مدفوعاً بضرورة حماية استقرار أسواق الطاقة العالمية التي لا تتحمل انقطاعاً مفاجئاً للإمدادات.
الحلول قصيرة المدى والممرات العابرة للحدود
تتمثل الحلول الواقعية الفورية في زيادة كفاءة الربط بين حقول النفط وموانئ التصدير على سواحل البحر الأحمر وبحر العرب. كما تبرز فكرة إحياء “الممر الاقتصادي” (IMEC) الذي يربط الهند بأوروبا، ليكون مظلة شاملة ليس فقط لنقل النفط، بل لتحويل المنطقة إلى مركز عالمي للتجارة والبيانات والطاقة النظيفة، مما يقلل من التأثير الجيوسياسي لأي تهديدات عند مضيق هرمز.

