في إطار الإعلان الأخير عن ضخ استثمارات بقيمة 640 مليون ريال سعودي خلال ثلاثة أشهر فقط لتطوير البنية التحتية للموانئ السعودية، يبرز اسم الهيئة العامة للموانئ (موانئ) كواحد من أنجح النماذج الحكومية التي قادت خطط الخصخصة الشاملة وإسناد العمليات التشغيلية إلى كبرى الشركات العالمية والمحلية.
هذا التحول لم يكن مجرد تطوير إداري تقليدي، بل يمثل قصة نجاح إستراتيجية استطاعت تحويل الموانئ من قطاع يعتمد على الإنفاق الحكومي إلى رافعة اقتصادية تولد عوائد مليارية مستدامة للدولة وتدعم المحتوى المحلي.
الانطلاقة التاريخية: من الإدارة التقليدية إلى الخصخصة الذكية
تاريخياً، كانت الموانئ البحرية تُدار بشكل كامل عبر الأجهزة الحكومية، وهو نموذج كان يواجه تحديات تتعلق ببطء الدورة المستندية ومحدودية القدرة على مواكبة التغيرات السريعة في حركة التجارة البحرية العالمية.
ومع إطلاق ملامح رؤية السعودية 2030، اتخذت “موانئ” قراراً جريئاً بإعادة صياغة نموذج عملها بالكامل؛ فبدلاً من تشغيل الأرصفة بنفسها، تحولت الهيئة إلى منظم ومشرع (Regulator)، مع إسناد العمليات التشغيلية والميدانية إلى شركات القطاع الخاص عبر عقود الإسناد التجاري (Concession Agreements).
هذا التحول التاريخي جذب كبار مشغلي الموانئ في العالم والمملكة، والذين ضخوا مليارات الريالات لتحديث المحطات دون أن تتكفل خزينة الدولة بهذه التكاليف الرأسمالية الضخمة، مما رفع الكفاءة التشغيلية لقرابة الضعف في فترات قياسية.
عقود الإسناد المليونية وتمكين الكفاءات الوطنية
أثمرت فلسفة الخصخصة التي تبنتها “موانئ” عن توقيع عقود إسناد تاريخية في ميناء جدة الإسلامي وميناء الملك عبد العزيز بالدمام بقيم استثمارية تجاوزت مليارات الريالات.
هذه العقود ألزمت الشركات المشغلة ليس فقط بتحديث الرافعات والأرصفة، بل بتبني خطط صارمة لتوطين الوظائف القيادية والفنية (السعودة)، ونقل المعرفة اللوجستية المعقدة إلى الكوادر الوطنية.
العلماء والمهندسون والشباب السعوديون باتوا اليوم هم من يديرون غرف التحكم الآلية والأنظمة اللوجستية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مما ساهم في قفز المملكة بمؤشرات الكفاءة البحرية الدولية الصادرة عن البنك الدولي و(الأونكتاد)، وتحويل الموانئ إلى بيئة جاذبة للاستثمار المباشر.

