لم يكن إعلان البنك المركزي السعودي “ساما” عن وصول حجم تمويلات قطاع التمويل الجماعي بالدين إلى 11 مليار ريال سعودي مجرد رقم عابر في مسيرة التقنية المالية بالمملكة، بل هو تتويج لقصص نجاح ريادية انطلقت من الصفر.
في صدارة هذا المشهد الاستثنائي، تبرز تجربتا شركتي “صكوك المالية” و”ليندو” (Lendo)، كنموذجين ملهمين لكيفية تحول الأفكار الابتكارية الجريئة إلى قاطرات اقتصادية تدعم نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتغير خارطة الاستثمار بدعم تشريعي مباشر.
الانطلاقة من رحم “البيئة التجريبية التشريعية” لـ “ساما”
بدأت رحلة “صكوك” و”ليندو” من داخل “البيئة التجريبية التشريعية” (Regulatory Sandbox) التي أطلقها البنك المركزي السعودي. كانت هذه البيئة بمثابة الحاضنة الآمنة التي سمحت للشركتين باختبار نماذج أعمالهما القائمة على التقنية الماليّة (FinTech) دون الاصطدام بالتعقيدات القانونية التقليدية.
- شركة ليندو (Lendo): ركزت منذ البداية على سد فجوة التمويل قصير الأجل للمنشآت الصغيرة والمتوسطة عبر تمويل الفواتير (Invoice Financing)، مما أتاح للشركات الحصول على سيولة نقدية فورية مقابل فواتيرها المستحقة.
- شركة صكوك المالية: تميزت بطرح حلول تمويلية متوافقة مع الشريعة الإسلامية عبر إصدار صكوك رقمية مجزأة، مما أتاح للشركات القائمة والمطورة تمويلاً طويل الأجل نسبياً، وفتح باب الاستثمار أمام الأفراد بمبالغ بسيطة.
هذه البداية التجريبية مكنت الشركتين من بناء ثقة ائتمانية عالية، واختبار خوارزميات الذكاء الاصطناعي في تقييم المخاطر، مما ساهم في خفض نسب التعثر بالسوق لتتراوح بين 1% و1.5% فقط.
ضخ المليارات وتحفيز المنظومة الاقتصادية
مع الحصول على التراخيص الرسمية الكاملة، انطلقت الشركتان في مرحلة التوسع الكبير، لتتحولا من منصات ناشئة إلى كيانات تسهم في ضخ مليارات الريالات في شريان الاقتصاد السعودي.
نجحت “ليندو” في تمويل آلاف الفواتير لقطاعات حيوية مثل المقاولات والتوريد، بينما تمكنت “صكوك المالية” من إغلاق جولات تمويلية ضخمة لشركات عقارية وتجارية تجاوزت قيمتها مئات الملايين للحملة الواحدة.
ولم يقتصر النجاح على توفير التمويل للمنشآت، بل نجحت الشركتان في خلق سوق استثماري جاذب للأفراد والمؤسسات، عبر تقديم عوائد مجزية تتراوح بين 10% و18%.
هذا النجاح التشغيلي مكنهما من جذب استثمارات جريئة (Venture Capital) من صناديق محلية وإقليمية ودولية، مما عزز من ملاءتهما المالية وقدرتهما الابتكارية.
دلالات النجاح وتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030
تعتبر تجربة “صكوك” و”ليندو” تجسيداً حياً لبرنامج تطوير القطاع المالي، أحد الركائز الأساسية لـ “رؤية السعودية 2030”. تسهم هذه المنصات مباشرة في:
- رفع مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي عبر تذليل عقبات التمويل التقليدية.
- تعزيز الشمول المالي من خلال إتاحة فرص استثمارية لجميع فئات المجتمع عبر الهواتف الذكية وبأقل مبالغ ممكنة.
- ترسيخ مكانة المملكة كعاصمة إقليمية للتقنية المالية.

