لم تكن عملية تنظيم الملكية العقارية في مناطق بحجم الرياض ومكة المكرمة والمنطقة الشرقية مجرد مهمة تقنية، بل كانت تحدياً وطنياً يسابق الزمن لتحويل واحد من أضخم القطاعات الاقتصادية من نظام تقليدي يعتمد على الأوراق إلى نظام رقمي متطور.
بدأت قصة النجاح من نقطة “التعقيد”؛ حيث كانت الصكوك الورقية تفتح الباب أحياناً لتداخل الملكيات، مما يشكل عائقاً أمام تدفق الاستثمارات الكبرى.
ومن هنا، انطلقت الهيئة العامة للعقار برؤية تهدف إلى منح كل قطعة أرض “هوية رقمية” فريدة، معلنةً عن شمول أكثر من 81 ألف قطعة عقارية في نظام التسجيل العيني.
السياق التاريخي: من التسجيل الشخصي إلى “التسجيل العيني”
تاريخياً، اعتمد السوق العقاري السعودي لعقود على نظام “التسجيل الشخصي” المرتبط باسم المالك، وهو ما كان يؤدي لثغرات قانونية عند تداول العقار.
قصة النجاح الحقيقية تكمن في قدرة المملكة على القفز نحو “التسجيل العيني” (In-Rem Registration)، وهو المعيار العالمي الذي يربط الحقوق بالعقار نفسه بصفته وحدة مستقلة.
هذا الانتقال الذي سيبدأ فعلياً في 7 يونيو 2026، يمثل تتويجاً لسنوات من العمل على تحديث الخرائط الجيومكانية ورقمنة المخططات، ليصبح “رقم العقار” هو المرجع الأول والأخير، تماماً مثل الهوية الوطنية للمواطن، مما يضمن دقة البيانات الجغرافية والقانونية بنسبة 100%.
التحليل الاقتصادي: السجل العقاري كمحرك لـ “رؤية السعودية 2030”
لا يمكن قراءة هذا الإنجاز بعيداً عن مستهدفات رؤية المملكة 2030، إن توحيد بيانات 81,849 قطعة عقارية في المناطق الأكثر حيوية اقتصادياً، يعزز من مكانة العقار كأصل استثماري آمن وسائل.
اقتصادياً، تساهم هذه الخطوة في رفع مساهمة القطاع العقاري في الناتج المحلي الإجمالي، وتخفض من تكاليف التقاضي العقاري بنسب كبيرة نتيجة وضوح الملكية.
كما أنها تضع المملكة في صدارة التنافسية الإقليمية؛ حيث يبحث المستثمر الدولي دائماً عن الشفافية والموثوقية الرقمية قبل ضخ رؤوس الأموال، وهو ما يوفره “السجل العقاري” كبيئة تشريعية صلبة تدعم تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر.

