تشهد السياسة النقدية في دول مجلس التعاون الخليجي تحولاً نوعياً لافتاً في استراتيجيات إدارة الاحتياطيات الدولية، فبدلاً من التركيز التقليدي على تعظيم العوائد عبر أدوات الدين طويلة الأجل (مثل السندات وأذونات الخزانة الأجنبية)، باتت البنوك المركزية – وعلى رأسها مصرف قطر المركزي – تميل نحو تفضيل الأصول عالية السيولة.
هذا التحول ليس مجرد إجراء محاسبي، بل هو استجابة استراتيجية لبيئة الاقتصاد العالمي المتذبذبة، حيث أصبحت “المرونة” و”السرعة في الوصول للسيولة” أكثر قيمة من العوائد الثابتة طويلة الأمد.
دوافع التحول: الأمن المالي في زمن عدم اليقين
تدرك البنوك المركزية الخليجية أن الاقتصاد العالمي يواجه موجات متتالية من التضخم وتقلبات أسعار الفائدة. إن تقليص الحيازات من السندات، كما رأينا في الحالة القطرية التي خفضت حيازاتها لأدنى مستوى منذ 2021، يعكس رغبة في تجنب مخاطر إعادة التقييم التي قد تؤثر على قيمة هذه السندات في حال ارتفاع أسعار الفائدة.
بدلاً من ذلك، يتم توجيه هذه الموارد نحو الأرصدة المصرفية السائلة، مما يوفر للمصارف المركزية “وسادة أمان” نقدية تتيح لها التدخل الفوري في أسواق الصرف أو تمويل الاحتياجات الطارئة دون الحاجة لتسييل أصول في أوقات غير مواتية.
أثر “رؤية 2030” وخطط التنويع
يأتي هذا التوجه متناغماً مع أهداف “رؤية المملكة 2030” وغيرها من الرؤى الخليجية التي تركز على تعزيز الاستدامة المالية، إن بناء اقتصاد قوي يتطلب قاعدة صلبة من الاحتياطيات التي يمكن الوصول إليها بسهولة لدعم الإنفاق الحكومي الرأسمالي والمشاريع العملاقة.
إن البنوك المركزية الخليجية، من خلال تحويل استراتيجيتها، تدعم بشكل غير مباشر قدرة الحكومات على ضخ السيولة في شرايين الاقتصاد المحلي عند الحاجة، مما يعزز مرونة الاقتصادات الخليجية في مواجهة أي صدمات خارجية محتملة.

