لا تُقاس قوة الشركات الكبرى بمدى استقرارها في أوقات الرخاء فقط، بل بقدرتها المرنة على الارتداد من القاع والتحول من مرحلة إعادة الهيكلة والتحديات المالية إلى منصات التتويج وتوزيع الأرباح المليونية.
وتُعد قصة تحول شركة الشرق الأوسط للكابلات المتخصصة (مسك)، المدرجة في سوق الأسهم السعودية “تداول”، نموذجاً حياً ومثيراً للإعجاب في قطاع الصناعة السعودي، حيث توجت الشركة مسيرتها الاستراتيجية بالإعلان عن توزيع أرباح نقدية بقيمة 24 مليون ريال عن النصف الأول من عام 2026.
البداية من التحدي: مرحلة إعادة الهيكلة وبناء الأساس
لم يكن طريق “مسك” مفروشاً بالورود؛ بل واجهت الشركة في سنوات سابقة تحديات تشغيلية ومالية ضاغطة استلزمت التدخل الجراحي الفوري عبر خطط إعادة هيكلة صارمة.
ركزت الإدارة الاستراتيجية للشركة على مرحلتين: الأولى هي ضبط المصاريف التشغيلية وإعادة ترتيب البيت الداخلي، والثانية هي بناء ملاءة مالية قوية قادرة على استعادة ثقة القطاع المصرفي. هذه المرحلة التاريخية الصعبة كانت بمثابة تمهيد الأرض لقفزة نوعية غير مسبوقة.
التحول الاستراتيجي: اقتناص العقود العابرة للحدود
التحول الحقيقي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة خطة توسع إقليمية مدروسة وتأمين عقود ضخمة، وكان المحرك الأساسي لهذا الصعود هو فوز إحدى الشركات التابعة لـ “مسك” بعقد توريد كابلات ضخم في دولة الإمارات العربية المتحدة بقيمة 175 مليون ريال لتطوير حقل “زاكوم السفلي”.
هذا التوسع الإقليمي، مدعوماً بتسهيلات ائتمانية ذكية من مصارف كبرى مثل “البنك السعودي الأول” و”الإمارات الإسلامي”، مكّن الشركة من تنشيط رأس المال العامل وتأمين تدفقات نقدية مستدامة غيرت وجهها المالي تماماً.
الأثر الاقتصادي وتحقيق مستهدفات رؤية 2030
تتجاوز قصة نجاح شركة “مسك” حدود أرقام ميزانيتها لتشكل إلهاماً حقيقياً يتماشى مع “رؤية السعودية 2030″، فالرؤية الوطنية ترتكز بشكل أساسي على تمكين القطاع الخاص، وتوطين الصناعات المتقدمة، وتحويل الشركات الوطنية إلى كيانات إقليمية قادرة على المنافسة عابرة الحدود.
تحول “مسك” يثبت أن المصانع والشركات السعودية قادرة على قيادة قطاع الطاقة والبنية التحتية بكفاءة تضاهي الشركات العالمية، مما يرفع من جاذبية الاقتصاد الاستثماري للمملكة.

