تثبت المؤسسات المصرفية في دول مجلس التعاون الخليجي يوماً بعد يوم قدرة فائقة على مواجهة الأزمات، حيث كشفت التطورات الجيوسياسية الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط عن “درع مالي” متين يحمي الاقتصاد الإقليمي.
ورغم ضبابية المشهد، إلا أن المؤشرات الصادرة عن وكالات التصنيف العالمية، وفي مقدمتها “ستاندرد آند بورز”، تؤكد أن القطاع المصرفي الخليجي لا يزال بعيداً عن حافة الخطر، بفضل استراتيجيات استباقية وملاءة مالية مرتفعة.
الملاءة المالية: حصون من السيولة ورأس المال
تدخل البنوك الخليجية هذه المرحلة من “موقع قوة” لا يستهان به. وبحسب البيانات المالية لأكبر 45 بنكاً في المنطقة، يبلغ متوسط الشريحة الأولى من رأس المال نحو 17.1%، وهي نسبة تعكس وفرة في الرأسمال تمكن البنوك من امتصاص الصدمات الائتمانية.
كما أن نسبة القروض المتعثرة، التي تقف عند حدود 2.5% مع تغطية تصل إلى 158.7%، تعطي انطباعاً بأن جودة الأصول لا تزال تحت السيطرة رغم اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف التأمين والشحن.
السياق التاريخي: دروس الأزمات السابقة
ليست هذه المرة الأولى التي تختبر فيها البنوك الخليجية قدراتها؛ فالتاريخ القريب يشهد على مرونتها خلال أزمة انخفاض أسعار النفط في 2014، وأزمة جائحة كوفيد-19.
في تلك المحطات، طورت البنوك المركزية الخليجية ترسانة من الأدوات التنظيمية، مثل “تسهيلات إعادة الشراء (الريبو)” وإدارة السيولة الطارئة، وهو ما نراه يتكرر اليوم في قطر والكويت والإمارات.
هذا التراكم في الخبرة المؤسسية جعل النظام المالي الخليجي “محصناً” ضد التدفقات الرأسمالية الخارجة التي عادة ما تصاحب الأزمات الإقليمية.
الدلالات الاقتصادية ورؤى 2030 و2040
يرتبط استقرار القطاع المصرفي ارتباطاً وثيقاً بمستهدفات رؤية السعودية 2030 ورؤية عمان 2040 وخطط التنوع الاقتصادي في المنطقة. فالبنوك هي المحرك الرئيسي لتمويل المشاريع العملاقة (Giga-projects).
صمود هذه البنوك يعني استمرارية التدفقات التمويلية للقطاع الخاص، وضمان عدم توقف مشاريع البنية التحتية والسياحة، وهو ما يبعث برسالة طمأنة للمستثمرين الأجانب بأن البيئة الاستثمارية الخليجية تظل ملاذاً آمناً حتى في ظل الاضطرابات السياسية.
التوقعات المستقبلية: ما بعد الاضطرابات
من المتوقع أن يظل تأثير التوترات على البيانات المالية “مؤجلاً” لعدة أشهر؛ حيث إن جودة الأصول تتأثر ببطء، ومع ذلك، فإن التحول الرقمي وتفعيل خطط استمرارية الأعمال (مثل العمل عن بُعد ومراكز البيانات البديلة) سيقللان من التكاليف التشغيلية.
التحدي الأكبر في الشهور القادمة سيكمن في كبح الضغوط التضخمية الناتجة عن تأخيرات الشحن، ولكن مع وجود “تيسير رقابي” من البنوك المركزية، فمن المرجح أن يحتفظ القطاع بآفاق نمو مستقرة بنهاية العام الجاري.

