لطالما كانت الرياح في منطقة الجوف شمال المملكة العربية السعودية مجرد ظاهرة طبيعية عابرة، لكن مع انطلاق رؤية 2030، تحولت هذه الرياح إلى وقود لمستقبل مستدام.
“مشروع دومة الجندل” ليس مجرد محطة لتوليد الكهرباء، بل هو قصة نجاح هندسية تثبت أن الإرادة السعودية قادرة على تطويع الطبيعة لخدمة الاقتصاد.
كأول محطة لطاقة الرياح في المملكة والأكبر من نوعها في الشرق الأوسط، يجسد المشروع القفزة التي ذكرها التقرير الإحصائي الخليجي الأخير حول نمو سعة طاقة الرياح لتصل إلى 567 ميجاوات.
تحديات هندسية وأرقام قياسية
بدأت قصة النجاح عندما تحالفت شركتا “مصدر” الإماراتية و”إي دي إف رينوبلز” الفرنسية لتنفيذ هذا المشروع الضخم. واجه المهندسون تحديات مناخية ولوجستية هائلة لنصب 99 توربينة رياح بارتفاعات شاهقة تصل إلى 130 متراً.
ولكن، تكللت هذه الجهود بكسر أرقام قياسية عالمية، حيث حقق المشروع في مرحلة طرح العطاءات أقل تكلفة لإنتاج الكهرباء من طاقة الرياح عالمياً، مما أثبت الجدوى الاقتصادية العالية للاستثمار في الطاقة الخضراء داخل المملكة.
السياق التاريخي: التحول من “الأسود” إلى “الأخضر”
تاريخياً، اعتمدت منطقة الجوف والمناطق الشمالية على محطات التوليد التقليدية التي تعمل بالوقود الأحفوري. ومع تدشين مشروع دومة الجندل، بدأ التحول التاريخي؛ حيث بدأت المحطة بإنتاج طاقة نظيفة تكفي لتغذية 70 ألف وحدة سكنية سنوياً.
هذا التحول لم يوفر الوقود فحسب، بل ساهم في خفض انبعاثات الكربون بمقدار 988 ألف طن سنوياً، وهو ما يفسر الالتزام الراسخ الذي أبدته دول المجلس في تقاريرها المرفوعة لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ.
الأثر الاقتصادي: أكثر من مجرد كهرباء
خلق مشروع دومة الجندل حراكاً اقتصادياً واسعاً في المنطقة؛ فبعيداً عن الأرقام الإحصائية، وفر المشروع مئات الوظائف للشباب السعودي في مجالات الهندسة، التشغيل، والصيانة. كما عزز من المحتوى المحلي عبر إشراك شركات وطنية في عمليات التوريد والإنشاء.
هذا المشروع هو النموذج الحي للتحليل الاقتصادي الذي يتوقع أن تصبح فيه المملكة “المصدر الأول للطاقة بكافة أنواعها”، وليس النفط فقط، مما يعزز من مكانة المملكة كقائد عالمي في سوق الطاقة المتكامل.
التوقعات المستقبلية: ريادة لا تعرف الحدود
بناءً على نجاح “دومة الجندل”، تتجه السعودية الآن نحو التوسع في مشاريع أخرى مماثلة ضمن البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، إن هذا النجاح يمهد الطريق لتطوير تقنيات تخزين الطاقة وتصدير الكهرباء النظيفة عبر الربط الدولي.
بحلول عام 2030، ستكون قصة دومة الجندل هي الفصل الأول في كتاب يروي كيف تحولت الجزيرة العربية إلى المصدر الأكبر للطاقة المستدامة في العالم.

