تُمثل الشراكة التاريخية التي جمعت بين البنك السعودي للاستثمار (SAIB) وعملاق المدفوعات العالمي “أميركان إكسبريس” (American Express) نموذجاً فريداً وملامح مضيئة في تاريخ العمل المصرفي والاستثماري المشترك بالمملكة العربية السعودية.
فعلى مدار عقود من التعاون المتواصل، نجح التحالف في بناء كيان مالي رائد لسوق بطاقات الائتمان والخدمات الائتمانية الراقية، قبل أن يُتوج هذا المسار بصفقة تخارج استثماري قياسية بلغت قيمتها 1.43 مليار ريال سعودي (381.33 مليون دولار)، محققة ربحاً رأسمالياً استثنائياً للبنك تجاوز 1.15 مليار ريال، في واحدة من أذكى عمليات إعادة تدوير رأس المال في القطاع المصرفي الإقليمي.
السياق التاريخي: ولادة الشراكة وتأسيس ريادة المدفوعات الفاخرة
تعود جذور هذه الشراكة الاستراتيجية إلى تسعينيات القرن الماضي، في مرحلة كان فيها مفهوم بطاقات الائتمان وحلول المدفوعات الإلكترونية لا يزال في مهده داخل السوق السعودي والمنطقة عموماً.
رأى البنك السعودي للاستثمار حينها فرصة واعدة لتقديم تجربة مصرفية غير مسبوقة تخدم قطاع الأعمال وكبار العملاء ذوي الملاءة المالية العالية والمسافرين الدوليين، فتم تأسيس شركة “أميركان إكسبريس السعودية” مناصفة (50% لكل طرف).
استطاعت الشركة ترسيخ علامتها كرمز للموثوقية والتميز المالي، وأدخلت معايير عالمية في مكافآت السفر، وإدارة نفقات الشركات، وخدمات النخبة، مما جعلها لعقود طويلة الخيار الأول للمؤسسات الكبرى والشخصيات القيادية في المملكة.
التحليل الاقتصادي في ضوء رؤية 2030 ومنظومة الاستثمار المشترك
يحمل مسار هذه الشراكة ونهايتها دلالات اقتصادية عميقة ترتبط بمستهدفات “رؤية السعودية 2030” وبرنامج تطوير القطاع المالي:
- استراتيجية التخارج في ذروة النضج (Value Realization): لم يكن بيع الحصة دليلاً على تراجع النشاط، بل جاء تتويجاً لبلوغ الاستثمار أقصى مراحل النضج التشغيلي؛ حيث استغل البنك التقييم العادل والمجزي للأصل لتحرير سيولة نقدية ضخمة وإعادة ضخها في دعم الإقراض التنموي للشركات والمشاريع الوطنية العملاقة.
- ثقة المستثمر الأجنبي في شراء كامل العمليات: يعكس قرار “أميركان إكسبريس” العالمية الاستحواذ الكامل على الشركة المحلية ودفع هذا المبلغ الضخم ثقة المؤسسات المالية الأمريكية في قوة الاقتصاد السعودي ومستقبل التجارة الرقمية، مما يمثل استثماراً أجنبياً مباشراً يعزز تواجد الشركات الدولية في العاصمة الرياض.
- المرونة المصرفية في إدارة المحافظ: برهن البنك السعودي للاستثمار على براعة مصرفية في توظيف الأصول المشتركة؛ فبدلاً من التمسك باستثمارات ناضجة، اختار تحويل الأرباح الرأسمالية إلى احتياطيات مالية صلبة ترفع معدلات كفاية رأس المال وتدعم استراتيجيته للتحول الرقمي الذاتي.

