ترتبط الطفرة الكبرى التي يشهدها قطاع الطيران والنقل الجوي في المملكة العربية السعودية بالقدرة على تحويل الإدارات التشغيلية الفرعية إلى كيانات اقتصادية مستقلة وناجحة ذات ملاءة مالية عالية.
ويمثل توقيع شركة كاترين مؤخراً لعقد إطاري ضخم بقيمة 105 ملايين ريال سعودي مع الناقل الوطني الخطوط الجوية العربية السعودية نموذجاً حياً لنجاح استراتيجية التخصيص وإعادة الهيكلة الإدارية التي تبنتها المملكة لتحقيق الكفاءة القصوى في قطاع الخدمات اللوجستية والمساندة.
جذور التحول: من قسم خدمي إلى الخصخصة الكاملة
بدأت قصة نجاح قطاع التموين الجوي في المملكة كإدارة داخلية متواضعة وتابعة للخطوط السعودية في ثمانينيات القرن الماضي، حيث كان الهدف الأساسي منها مجرد تقديم وجبات الطعام للرحلات المغادرة من مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، ومع توسع أسطول الطيران وزيادة عدد المسافرين، أدركت القيادة الإدارية أن استمرار تقديم هذه الخدمات عبر مظلة إدارية تقليدية سيعوق نموها وتنافسيتها.
في عام 2008، اتخذت الخطوط السعودية خطوة استراتيجية جريئة بتحويل قطاع التموين إلى شركة مساهمة مغلقة، تلاها طرح حصة من أسهمها للاكتتاب العام في السوق المالية السعودية (تداول).
هذا التحول الجذري لم يساهم فقط في تحسين حوكمة الشركة وتطوير معايير الجودة العالمية لسلامة الأغذية، بل سمح للكيان الجديد بتوسيع محفظة عملائه وتقديم خدماته لشركات طيران عالمية وطائرات خاصة، فضلاً عن الدخول في قطاعات واعدة كالتجزئة في الطائرات وإدارة صالات الفرسان والمطارات.
حوكمة العمليات ومواكبة طموحات رؤية السعودية 2030
تتجلى عبقرية هذا التحول الإداري في مرونة الاستجابة للمستهدفات الطموحة لـ رؤية السعودية 2030 و”الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية”.
الخروج من العباءة البيروقراطية الحكومية مكّن شركات التموين من تبني خطط توسع ديناميكية تتواكب مع هدف المملكة في رفع الطاقة الاستيعابية للمطارات لخدمة أكثر من 330 مليون مسافر سنوياً، والوصول إلى 250 وجهة دولية بحلول نهاية العقد.
تحول التموين إلى شركات كبرى مدرجة في البورصة يضمن توفير تدفقات نقدية مستدامة، تمكنها من الاستثمار المستمر في أتمتة وحدات الإنتاج، وبناء مطابخ مركزية عملاقة تعتمد على الذكاء الاصطناعي في إدارة سلاسل الإمداد، والتنبؤ الدقيق بحجم الطلب، والحد من الهدر الغذائي، وهو ما يرفع من جاذبية الاقتصاد السعودي كمركز لوجستي عالمي يربط بين ثلاث قارات.

